خطب الجمعة

  • الخميس 11 فبراير 2021

الأسباب الجالبة للرزق (3- 3)

الأسباب الجالبة للرزق (3- 3)

 

الخطبة الأولى:

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ([آل عمران: 102]، )يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كثيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا([النساء: 1]، )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا([الأحزاب: 70-71].

أما بعد:

فاتقوا الله -عباد الله- حق التقوى، فإنه من يتقى الله وقاه من كل ما أهمه: )وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ([الطلاق: 2- 3]، )وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا([الطلاق: 4].

أيها المسلمون:

سبق أن تحدثنا في خطب ماضية عن أسباب الرزق وحلول البركة فيه، وذكرنا أن أجمع سبب للرزق وحلول البركة فيه: تحقيق العبودية بمفهومها الشامل، وقسمنا العبادة إلى قسمين عبادات باطنة، وباطنة ظاهرة، وذكرنا أسباب الرزق المنضوية تحت كل قسم.

واليوم -أيها الأكارم- نتحدث عن بقية أسباب الرزق المنضوية تحت قسم العبادات الظاهرة، ومنها -إضافة إلى ما سبق في الخطبة الماضية-: تاسعا: الاستغفار، فقد جاء في قول الملك العلام على لسان نوح عليه السلام أنه قال لقومه: {اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا} [نوح: 10-12] جاء في تفسير القرطبي رحمه الله ما معناه: في هذه الآية والتي في هود (يعني قوله هود لقومه: {وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ} دليلٌ على أن الاستغفار يستنزل به الرزق والأمطار، وأن عادًا كانوا أهل بساتين وزروع وعمارة فحبس عنهم المطر، فقال لهم هود: إن آمنتم وأكثرتم الاستغفار يحيي الله بلادكم ويرزقكم، الأموال والأولاد، ويزيدكم قوة إلى قوتكم.

وقال تعالى في سورة هود: {وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ} [هود: 3] قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: "يتفضل إليكم بالرزق والسعة"، وقال القرطبي: "أي يمتعكم بالمنافع من سعة الرزق والعيش".

فالاستغفار –يا عباد الله- له فضائل وفوائد كثيرة عاجلة وآجلة، دنيوية وأخروية، ومنها: الرزق وحلول البركة فيه، قال ابن القيم رحمه الله: "أربعة تجلب الرزق: قيام الليل، وكثرة الاستغفار في الأسحار، وتعاهد الصدقة، والذكر أول النهار وآخره".

وجاء في حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من لزم الاستغفار جعل الله له من كل ضيق مخرجا، ومن كل هم فرجا، ورزقه من حيث لا يحتسب" [رواه أبو داود وابن ماجه وضعفه الألباني]، وهو وإن كان في سنده ضعف إلا أن معناه صحيح تشهد له النصوص الشرعية الأخرى.

وروى الربيع بن صبيح أن رجلاً أتى الحسن فشكا إليه الجدوبة، فقال له الحسن: "استغفر الله"، فأتاه آخر فشكا إليه الفقر، فقال له: "استغفر الله"، وأتاه آخر فشكا إليه جفاف بساتينه، فقال له: "استغفر الله"، وأتاه آخر فقال له: "ادع الله أن يرزقني ابنا"، فقال له: "استغفر الله". فقلنا له: "أتاك رجال يشكون إليك أبوابًا، ويسألونك أنواعًا، فأمرتهم كلهم بالاستغفار"، فقال: "ما قلت من ذات نفسي في ذلك شيئًا، إنما اعتبرت فيه قول الله تعالى إخبارًا من نبيه نوح - عليه السلام- أنه قال لقومه: {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً}.

وروي أن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين قال موصيا لسفيان: "يا سفيان: إذا استبطأت الرزق فأكثر من الاستغفار، فإن الله قال: {اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً * يُرْسِلْ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً}[نوح: 10-11].

والاستغفار – يا عباد الله- مخلص من الضائقات، وفك الكربات العويصة، يحكي ابن تيمية رحمه الله عن ذلك فيقول: "إنه ليقف خاطري في المسألة والشيء أو الحالة التي تشكل على فأستغفر الله تعالى ألف مرة، أو أكثر أو أقل حتى ينشرح الصدر، وينحل إشكال ما أشكل... وأكون إذ ذاك في السوق أو المسجد أو الدرب أو المدرسة لا يمنعني ذلك من الذكر والاستغفار إلى أن أنال مطلوبي".

عاشرا: الدعاء، فقد سبق معنا في خطبة ماضية الحديث القدسي الذي رواه النبي صلى الله عليه وسلم عن الله تبارك وتعالى أنه قال: "... يا عبادي كلكم جائع، إلا من أطعمته، فاستطعموني أطعمكم، يا عبادي كلكم عار، إلا من كسوته، فاستكسوني أكسكم،... يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل إنسان مسألته، ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر" [رواه مسلم].

والله سبحانه قد أمر عباده بالدعاء ووعد بالاستجابة، فقال تعالى: {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} [غافر: 60]، وجاء في حديث أبي هريرة قوله صلى الله عليه وسلم: "إذا مضى شطر الليل، أو ثلثاه، ينزل الله تبارك وتعالى إلى السماء الدنيا، فيقول: هل من سائل يعطى؟ هل من داع يستجاب له؟ هل من مستغفر يغفر له؟ حتى ينفجر الصبح"[رواه مسلم].

وقد سأل أنبياء الله ورسله من ربهم الرزق الحلال لهم ولذرياتهم، فهذا إبراهيم عليه السّلام دعا ربه قائلا: {رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ} [إبراهيم: 37].

وهذا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم كان من دعائه في كل صباح: "اللهم إني أسألك علما نافعا، ورزقا طيبا، وعملا متقبلا" [رواه ابن ماجه وصححه الألباني].

وقد أرشد عليه الصلاة والسلام أصحابه وأمته على أدعية خاصة جالبة للرزق، ومسببة لقضاء الديون، وتفريج الكروب، فعن أبي سعيد الخدري قال: "دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم المسجد، فإذا هو برجل من الأنصار يقال له أبو أمامة، فقال: يا أبا أمامة ما لي أراك جالساً في المسجد في غير وقت الصلاة؟ قال: هموم لزمتني وديون يا رسول الله، قال: أفلا أعلمك كلاماً إذا أنت قلته أذهب الله عز وجل همك وقضى عنك دينك؟ قال: قلت: بلى يا رسول الله، قال: قل إذا أصبحت وإذا أمسيت: اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، وأعوذ بك من العجز والكسل، وأعوذ بك من الجبن والبخل، وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال، قال: ففعلت ذلك فأذهب الله عز وجل همي، وقضي عني ديني" [رواه أبو داود وضعفه الألباني].

وعلم عليه الصلاة والسلام عليا دعاء جالبا للرزق؛ فعن أبي وائل، عن علي، أن مكاتبا جاءه فقال: إني قد عجزت عن مكاتبتي فأعني؟ قال: ألا أعلمك كلمات علمنيهن رسول الله صلى الله عليه وسلم لو كان عليك مثل جبل صير دينا أداه الله عنك، قال: "قل: اللهم اكفني بحلالك عن حرامك، وأغنني بفضلك عمن سواك" [رواه الترمذي وقال: "هذا حديث حسن غريب" وحسنه الألباني].

والدعاء -يا عباد الله- بطلب الرزق الحلالن وحلول البركة فيه كان من شأن السلف، وخاصة في الأماكن والأوقات الفاضلة، فهذا علي بن أبي طالب رضي الله عنه كان من دعائه يوم عرفة: "اللهم أعتق رقبتي من النار، وأوسع لي من الرزق الحـلال...".

وهذه عائشة رضي الله عنها توصي بسؤال الله كل شيء فقالت: "سَلُوا اللَّهَ كُلَّ شَيءٍ، حَتَّى الشِّسعَ (سَورُ النعل الذي تدخل بين الأصبعين)، فَإِنَّ اللَّهَ إِن لَمْ يُيَسِّرهُ لَمْ يَتَيَسَّرْ" [رواه أبو يعلى، و"هذا سند موقوف جيد رجاله كلهم ثقات رجال مسلم"].

وكان بعض السلف يسأل الله في صلاته كل حوائجه حتى ملح عجينه، وعلف شاته.

الحادي عشر: ومن أسباب الرزق وحلول البركة فيه: الطاعات والقربات والبعد عن المعاصي والسيئات، فقد أرشد الله إلى الأكل والشرب من زرقه، وحذر من معصيته، قال الله تعالى: {كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ}[البقرة: 60].

فبالطاعات -يا عباد الله- يستجلب العبد ما عند الله من الخيرات والبركات والأرزاق، وبالمعاصي والسيئات يحرم الإنسان من ذلك، فقد جاء في حديث ثوبان -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يزيد في العمر إلا البر، ولا يَرُدُّ القدرَ إلَّا الدعاء، وإن الرجلَ لَيُحْرم الرزق بالذنب يصيبه"، وفي رواية له: ".. وإن الرجل ليُحرم الرزق بخطيئة يعملها".

وجاء في حديث أنس بن مالك أنه حدَّث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أن الكافرَ إذا عمل حسنةً أُطعم بها طعمة من الدنيا، وأما المؤمن فإن الله يَدَّخر له حسناته في الآخرة، ويعقبه رزقًا في الدنيا على طاعته".

ومن الطاعات الجالبة للرزق وحلول البركة فيه: العمل بكتاب الله وسنة رسوله، وتحكيم ذلك في واقع الحياة، ولو بشكل فردي، فقد قال تعالى موبخا أهل الكتاب عن إعراضهم عما أنزل الله عليهم: {وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْأِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ} [المائدة: 66] قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: "لأكثر تعالى بذلك الرزق النازل عليهم من السماء والنابت لهم من الأرض".

وفي مقابل ذلك المعاصي والسيئات ماحقة للرزق، فقد جاء في حديث ابن عباس -رضي الله عنهما- أنه قال: "ولا نقص قومٌ المكيالَ والميزانَ إلَّا قُطع عنهم الرزق".

ولتعلم علم اليقين -يا عبد الله- أن رزقك سيأتيك كما سيأتيك أجلك؛ فعن أبي الدرداء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن الرزق ليطلب العبد أكثر مما يطلبه أجله"[رواه الطبراني وحسنه الألباني]، وجاء في الحديث أيضا قوله عليه الصلاة والسلام: "إنّ رُوحَ القُدُسِ نَفَثَ في رُوعِي أنّهُ لنْ تَمُوتَ نَفْسٌ حَتّى تَسْتَوْفِي رِزْقَها وَأَجَلَهَا" [رواه ابن حبان في صحيحه].

فإياك ثم إياك أن يحملك استبطاء الرزق على تعجل الحرام، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن روح القدس نفث في روعي: إن نفسا لا تموت حتى تستكمل رزقها؛ فاتقوا الله وأجملوا في الطلب، ولا يحملنكم استبطاء الرزق أن تطلبوه بمعاصي الله؛ فإن الله لا يدرك ما عنده إلا بطاعته" [رواه البزار وحسنه الألباني].

الثاني عشر: ومن العبادات الجالبة للرزق وحلول البركة فيه: الحوقلة: (قول: لا حول ولا قوة إلا بالله)، وذلك يعني التذلل لله، والافتقار إليه، والتبرؤ من الحول والقوة، فمن كان هذا حاله هانت عليه المصاعب، وتحققت له المآرب، قال ابن تيمية: "لا حول ولا قوة إلا بالله فإنها بها تحمل الأثقال وتكابد الأهوال وينال رفيع الأحوال"، وقال ابن القيم: "وهذه الكلمة لها تأثير عجيب في معالجة الأشغال الصعبة، وتحمل المشاق، والدخول على الملوك ومن يخاف، وركوب الأهوال، ولها أيضا تأثير في دفع الفقر".

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وغياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم.

الخطبة الثانية:

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.

أما بعد:

أيها الناس: الثالث عشر: وخلاصة الأسباب الجالبة للرزق وحلول البركة فيه: تقوى الله، فبتقوى الله يوقى العبد كل ما أهمه، ويحقق له كل ما طلبه، قال تعالى: {وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ فَهُوَ حَسْبُهُ} [الطلاق: 2- 3]، قال ابن كثير: "يجعل له من أمره مخرجًا ويرزقه من حيث لا يحتسب؛ أي من جهة لا تخطر بباله"، وقال ابن عباس -رضي الله عنهما-: "ويرزقه من حيث لا يحتسب: أي من حيث لا يأمل ولا يرجو".

وقال تعالى موبخا أهل القرى المعرضة عن الإيمان والتقوى: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [الأعراف: 96] قال ابن عباس -رضي الله عنهما-: "أي لوسَّعْنا عليهم الخير، ويَسَّرناه لهم من كل جانب".

والتقوى المحققة لذلك، والنافعة لصاحبها هي امتثال أوامر الله، واجتناب نواهيه.

الرابع عشر: من التقوى -يا عباد الله- الالتزام بالأحكام الشرعية في التجارة، ومن ذلك:

1- معرفة أحكام البيوع، وما يحل منها وما يحرم، فيجتنب البيوع المحرمة.

2- الكف عن تنفيق السلع بالحلف، فعن أَبي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَقُولُ: "الحَلِفُ مُنَفِّقَةٌ لِلسِّلْعَةِ، مُمْحِقَةٌ لِلْبَرَكَةِ" [رواه البخاري ومسلم]، وعَنْ أَبِي قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيِّ رضي الله عنه، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ يَقُولُ: "إِيَّاكُمْ وَكَثْرَةَ الْحَلِفِ فِي الْبَيْعِ، فَإِنَّهُ يُنَفِّقُ، ثُمَّ يَمْحَقُ" [رواه مسلم].

3- الصدق والبيان وعدم كتمان العيوب المتعلقة بالسلع: فعن حكيم بن حزام رضي الله عنه ‏أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال: "البيِّعان بالخيار ما لم يفترقا أو قال حتى يفترقا، فإن صدقا وبينا، بورك لهما في بيعهما، وإن كذبا وكتما مُحقت بركةُ بيعهما"‏ [رواه البخاري ومسلم].

وأخيرا: إياك -يا عبد الله- واللهث وراء الدنيا، وعليك بالقناعة والرضا بما أعطاك الله، فقد جاء في الحديث عنه صلى الله عليه وسلم: "لو كان لابن آدم واديانِ من مالٍ لابتغى ثالثًا، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على مَن تاب" [رواه البخاري ومسلم]، وجاء في الحديث قوله عليه الصلاة والسلام: "طوبى لمن هُدي إلى الإسلام، وكان عيشه كفافاً وقنع" [رواه الترمذي وأصله في صحيح مسلم]، وجاء في حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ليس الغنى عن كثرة العرض ولكن الغنى غنى النفس"[متفق عليه].

وعليك بالاقتصاد في الإنفاق، والبعد عن الإسراف والتذبير، فقد جاء في الحديث الصحيح: "وأسألك القصد في الفقر والغنى" [رواه النسائي وصححه الألباني]، وقد قيل: "الاقتصاد في النفقة نصف المعيشة".

اللهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى.

اللهم أغننا بحلالك عن حرامك وبطاعتك عن معصيتك.

اللهم اجعلنا أغنى خلقك بك، اللهم أصلح لنا شأننا كله، ولا تكلنا إلى أنفسنا طرفة عين.

اللهم إنا نعوذُ بكَ من عملٍ يخزِينا، اللهم إنا نعوذُ بك من غِنىً يطغِينا، اللهم إنا نعوذُ بك من صاحبٍ يُرْدِينا، اللهم إنا نعوذُ بكَ من أملٍ يُلهينا، اللهم إنا نعوذُ بكَ من فقرٍ يُنسيْنا.

اللهم إنا نسألُكَ تعجيلَ عافيتِك، وصبرًا على بليتِك، وخروجًا من الدنيا إلى رحمتِك.

© حقوق النشر محفوظة  آيات للبحوث والدراسات @ 2026.