أساليب المفسدين وأعمالهم كما يشرحها القرآن والسنة وواجبات الإصلاح (1-2)
الخطبة الأولى:
الحمد
لله رب العالمين، اللهم لك الحمد على نعمة الإسلام والايمان، ولك الحمد أن جعلتنا من
أمة محمد عليه الصلاة والسلام، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد
أن محمدا عبده ورسوله، اللهم صل وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
|
ربي لك الحمد العظيم لذاتك |
|
حمدًا وليس لواحد إلاَّك |
أما بعد:
فاتقوا الله -عباد الله- حق التقوى، فإنه من يتقى الله
وقاه من كل ما أهمه: )وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا
* وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ([الطلاق: 2- 3]، )وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ
أَمْرِهِ يُسْرًا([الطلاق: 4].
أيها المسلمون:
إنّ
الفساد في الأرض مرتعه وخيم وشأنه عظيم، وله التأثير البالغ على الفرد والمجتمع،
وعلى الأمّة والدولة، وعلى العلاقات بين المسلمين والعلاقات مع غيرهم.
وقد
نهى الله U عن الفساد والإفساد في الأرض، فقال سبحانه: )وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ( [الشعراء:183]، وقال تعالى: )وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا(
[الأعراف: 56]، قال ابن قيم الجوزية: "قال أكثر المفسرين:
لا تفسدوا فيها بالمعاصي والدعاء إلى غير طاعة الله، بعد إصلاح الله إياها ببعث
الرسل، وبيان الشريعة، والدعاء إلى طاعة الله، فإن عبادة غير الله والدعوة إلى
غيره والشِّرك به هو أعظم فساد في الأرض، بل فساد الأرض في الحقيقة إنما هو
بالشِّرك به ومخالفة أمره".
فكل
ما نهى الله تعالى عنه نهياً جازماً فإنّه من الفساد، وكل ما يُبغضه الله فهو
فساد؛ وكل ما كثرت مضرّته وازدادت خطره فهو من الفساد، ولهذا كان لابد لنا من كلمة
إصلاحٍ للحديث عن خطر الفساد والمفسدين في الأرض؛ فإنّ المصلح غير المفسد؛ ولا
يمكن أن يجتمع الصلاح والفساد معاً إلا أن يتدافعا ليظهر الصلاح من الفساد، قال
الله تعالى: )أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ
كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ( [ص: 28]، فسبيل المصلحين معروف، وسبيل المفسدين معروف، والإصلاح
ضد الفساد، والفطر والعقول السليمة تميز ذلك، ولن يُضيع الله أجر المصلحين
المحسنين؛ ولن يذر المفسدين على ما هم عليه من فساد وإفساد.
معاشر
المؤمنين:
إن
الله I مع المصلحين في الأرض، وهو الذي يتولاهم وينصرهم ويعينهم على أهل الفساد
والإفساد، وقد أمر سبحانه وتعالى نبيه rبأن
يقول للمشركين: )إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى
الصَّالِحِينَ( [الأعراف: 196] وقال تعالى: )وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا
مُصْلِحُونَ( [هود: 117] فالله Y يعطي كل عبد على نيته، حيث أنه I يعلم من نيته الإفساد، ويعلم من قصده الصلاح ولإصلاح، حيث قال Y: )وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ( [البقرة: 220]. وقد تكفل I بإبطال عمل المفسدين، وإحباط مخططاتهم، قال I في معرض أخبار موسى مع فرعون: )فَلَمَّا أَلْقَوْا قَالَ مُوسَى مَا جِئْتُمْ بِهِ السِّحْرُ إِنَّ
اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ إِنَّ اللَّهَ لَا يُصْلِحُ عَمَلَ الْمُفْسِدِينَ( [يونس: 81]، فأمْرُ أهلِ الإفساد مكشوف مفضوح، قال العلام السعدي:
"كلُّ مفسدٍ عمِل عملاً واحتال كيدًا، أو أتى بمكرٍ، فإن عمله سيبطل ويضمحل،
وإن حصل لعمله روجان في وقتٍ ما، فإنَّ مآله الاضمحلال والمحق. وأمَّا المصلحون
الذين قصدهم بأعمالهم وجه الله تعالى، وهي أعمال ووسائل نافعة، مأمور بها، فإنَّ الله
يصلح أعمالهم ويرقيها، وينميها على الدوام".
عباد
الله:
إن
للفساد أساليب مختلفة، وصور متعددة، وقد حذَّر الله I منها في كتابه الكريم، ونبه عنها نبينا rفي
سنته المطهرة، ألا وإن على رأسها: الكفر بالله I، والإشراك به: حيث يقول I: )الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ
وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ
أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ( [البقرة: ٢٧] فإفسادهم في الأرض: باستدعائهم إلى الكفر، والترغيب
فيه، وحمل الناس عليه، وتعويقهم وصدّهم للنَّاس عن الإيمان، والاستهزاء بالحقِّ،
وقطع الوُصل التي بها نظام العالم وصلاحه، وقال تعالى: )الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ
عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ( [النحل: 88] فهؤلاء جمعوا بين إفسادين: كفرٌ بالله وصدٌ عن سبيل
الله، ومن ذلك قول الله تعالى: )وَمِنْهُمْ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهِ
وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ( [يونس: ٤٠] أي: من هؤلاء الذين بُعثتَ إليهم يا محمد من يؤمن بهذا
القرآن، ويتَّبِعُك وينتفع بما أُرسلت به، )وَمِنْهُمْ مَنْ لا يُؤْمِنُ بِهِ( بل يموت على ذلك ويبعث عليه، )وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِالْمُفْسِدِينَ( أي: المكذِّبين المصرِّين على كفرهم، ولفظ الآية يشمل جميع أهل
الكفر. وقال ابن القيم رحمه الله تعالى: "فالشرك والدعوة إلى غير الله،
وإقامة معبود غيره، ومطاع متبع غير رسول الله هو أعظم الفساد في الأرض، ولا صلاح
لها ولا لأهلها إلا أن يكون الله وحده هو المعبود، والدعوة له لا لغيره، والطاعة
والاتباع لرسوله ليس إلا، وغيره إنما تجب طاعته إذا أمر بطاعة الرسول، فإذا أمر
بمعصيته وخلاف شريعته فلا سمع له ولا طاعة، فإن الله أصلح الأرض برسوله، ودينه،
وبالأمر بتوحيده، ونهي عن إفسادها بالشرك به، وبمخالفة رسوله r، وكذلك الدعوات الإلحادية القديمة والحديثة من أعظم صور الفساد في
الأرض".
ومن
أساليب الفساد: سفك الدماء المعصومة، وقتل
الأنفس التي حرم الله: فإن من أعظم الحرمات وأجلها عند الله تعالى قدراً الاعتداء
على حرمة المؤمن، التي هي أعظم الحرمات، وهي أعظم من حرمة البيت الحرام، يقول ابن
عمر t وأرضاه وهو ينظر إلى الكعبة: "مَا أَعْظَمَكِ وَأَعْظَمَ
حُرْمَتَكِ، وَالمُؤْمِنُ أَعْظَمُ حُرْمَةً عِنْدَ اللَّهِ مِنْكِ" فقتل
الأنفس المعصومة من الإفساد في الأرض، ومن كبائر الذنوب، قال الله L
عن فرعون: )إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا
يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي
نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ( [القصص: 4] ولذا قالت الملائكة: )قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ( [البقرة: 30]؟ ويقول الله تعالى: )إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ
وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا.... ([المائدة: ٣٣] وهو بيان للحِرابة، أي: ويسعون بحرابتهم مفسدين، وهي
على درجات؛ أدناها: إخافة الطريق، ثمَّ أخذ الأموال، ثمَّ قتل الأنفس، وسبب نزول
هذه الآية ما رواه البخاري ومسلم من حديث أنس بن مالك: أن نفراً من عُرَيْنَةَ
وَعُكْلٍ، قدموا على رسول الله r فبايعوه على الإسلام، فاستوخموا الأرض وسقمت أجسامهم، فشكوا ذلك
إلى رسول الله r فقال: "ألا
تخرجون مع راعينا في إبله فتصيبوا من أبوالها وألبانها؟" فقالوا: بلى،
فخرجوا، فشربوا من أبوالها وألبانها، فصحوا فقتلوا الراعي وطردوا الإبل، فبلغ ذلك
رسول الله r فبعث في آثارهم، فأُدركوا، فجيء بهم، فأمر بهم فقطعت أيديهم
وأرجلهم، وسمرت أعينهم، ثم نبذوا في الشمس حتى ماتوا[رواه البخاري: 6503، ومسلم: 1671]،
وتعظم الجريرة عندما يكون المقتول مُصلحاً، قال الله I: )وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ
وَلَا يُصْلِحُونَ * قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ
ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا
لَصَادِقُونَ( [النمل: 48-49]، قال ابن الجوزي: "وكانوا يسفكون الدِّماء
ويَثِبون على الأموال والفروج، وهم الذين عملوا في قتل الناقة".
عباد
الله:
إن
الدنيا وما فيها منذ أن خلقها الله U إلى أن تقوم
الساعة، ولزوالها وما فيها أهون عند الله U
من سفك دم امرؤٍ مسلم بغير حق، يقول النبي r: "لَزَوَالُ
الدُّنْيَا أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ مِنْ قَتْلِ رَجُلٍ مُسْلِمٍ" [رواه
الترمذي: 1395، وصححه الألباني في سنن الترمذي: 1395]، وقال تعالى مبينا عقوبة ذلك:
)وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ
خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا
عَظِيمًا( [النساء: 93]، وبَيَّنَ النبي r
أن مجرد ترويع المسلم لا يحل فقال r
في الحديث: "لَا
يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يُرَوِّعَ مُسْلِمًا" [رواه أبو داود: 5004،
وصححه الألباني في سنن أبي داود: 5004]، وعن ابن عمر t قال: قال رسول الله r: "لَنْ
يَزَالَ المُؤْمِنُ فِي فُسْحَةٍ مِنْ دِينِهِ، مَا لَمْ يُصِبْ دَمًا حَرَامً"
[رواه البخاري: 6469].
ومن
صور الفساد والإفساد في الأرض -يا عباد الله- الفساد الاقتصادي، والغش التجاري،
وأكل أموال الناس بالباطل، لهذا قال شعيب u لقومه: )وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا
تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ(
[هود: 85] فجعل الغش من أعظم الفساد، وكذلك أنواع الظلم
والاعتداء على الغير، قال العلامة ابن سعدي: " )وَلا تَعْثَوْا فِي الأرْضِ مُفْسِدِينَ( فإن الاستمرار على المعاصي، يفسد الأديان، والعقائد، والدين،
والدنيا، ويهلك الحرث والنسل"، قال صاحب "المنار" عند هذه الآية:
"والإفساد: تعطيل يشمل مصالح الدنيا، وصفات النفس وأخلاقها، وأمور الدين، وكل
هذه المفاسد فاشية في هذا العصر"، ولهذا قال إخوة يوسف )قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا جِئْنَا لِنُفْسِدَ فِي
الْأَرْضِ وَمَا كُنَّا سَارِقِينَ( [يوسف: ٧٣] فقد أكَّد إخوة يوسف u براءتهم من السرقة بالقَسَم، واستشهدوا بعلمهم على براءة أنفسهم
من السرقة لما عَرَفُوا منهم في كرتي مجيئهم ومداخلتهم للملك، وقد نَفَوا عن
أنفسهم الاتّصاف بالسرقة بأبلغ ممَّا نَفَوا به الإفساد عنهم، وذلك بنفي الكون
سارقين دون أن يقولوا: وما جئنا لنَسْرِق، قال الرازي: "حلفوا على أمرين:
أحدهما: أنهم ما جاؤوا لأجل الفساد في الأرض، لأنَّه ظهر من أحوالهم امتناعهم من
التَّصرف في أموال الناس بالكليَّة، لا بالأكل ولا بإرسال الدوابّ في مزارع الناس،
والثاني: أنهم ما كانوا سارقين، وقد حصل لهم فيه شاهد قاطع وهو أنَّهم لما وجدوا
بضاعتهم في رحالهم حملوها من بلادهم إلى مصر ولم يستحلُّوا أخذها، والسَّارق لا
يفعل ذلك البتة".
وكذلك
ما يحصل من بعض التَّجار من الغش في البيع والشراء والكذب على الناس، والتحايل
عليهم، بالحلف الكاذب ليُغرون غيرَهم بالسلع، وهذا من الظلم والفساد وأكل أموال
الناس بالباطل، وقد قال نبينا r: "ثلاثة
لا يكلمهم الله يوم القيامة؛ المنان الذي لا يعطي شيئا إلا مَنّه، والمنفق سلعته
بالحلف الفاجر، والمسبل إزارَه" [رواه مسلم: 106].
وكذلك
أخذ الرشاوي والتعامل بها، فهي خلق قبيح لنشر الرذائل والفساد، وإطلاق العنان
لرغبات النفوس، وانتشار الاختلاس والتزوير، واستغلال السلطة والتحايل على النظام،
فتتعطل حينئذ مصالح المجتمع، ويسود فيه الشر والظلم، وينتشر فيه البُؤس والفقر
والشقاء.. لذا حرّم الإسلام الرشوة؛ فعن عبد الله بن عمرو قال: "لعن رسول الله r الراشي
والمرتشي" [رواه الترمذي: 1337، وأبو داود: 3580،
وصححه الألباني في سنن أبي داود: 3580] وعن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله r: "لعنة
الله على الراشي والمرتشي"[رواه أحمد: 6984، وابن ماجة: 2313، وصحه
الألباني في سنن ابن ماجه: 2313].
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما
فيه من الآيات والذكر الحكيم...
الخطبة الثانية:
الحمد
الله، والصلاة والسلام على رسول الله..
أما
بعد:
والفساد
-يا عباد الله- يندرج تحت مسمى: "المعاصي والذنوب"
سواء كان ذلك على مستوى الأفراد أو الجماعات أو الدول، قال تعالى: )وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ
خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ( [الأعراف: ٥٦] قال جمع من المفسرين: "أي لا تفسدوا في الأرض
بالمعاصي الموجبة لفساد العالم بالقحط والفتن، بعد إصلاحها بالخصب والأمان، بما
يحقِّق منافع الخلق ومصالح المكلَّفين، فالنهي هنا عامّ يشمل كلَّ فساد قلَّ أو
كَثُر، ومن أنواعه: إفساد النفوس والأنساب والأموال والعقول والأديان، ويُؤخذ من
الآية: أن إقامة الشرائع وظهور الدِّين من علامة إصلاح الأرض وبهجتها وخصبها
وعافيتها، وترك الشرائع وظهور المعاصي من علامة فساد الأرض وخرابها"، وقال
الله تعالى: )وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ
وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ
أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ(
[الرعد: ٢٥] وإفسادهم في الأرض: "عملهم بمعاصي الله، وتهييج
الفتن"، وقال الله تعالى: )تِلْكَ الدَّارُ الْآَخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ
عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ( [القصص: ٨٣] أي: عملاً بالمعاصي، أو
ظُلماً على النَّاس، أو أخذاً للمال بغير حقٍّ، ولم يعلق الله الوعد بترك العلو
والفساد، ولكن بترك إرادتهما وميل القلب إليهما، وهو أبلغ في النَّهي عن الفساد
والردع عنه.
لهذا
يجد الناس فساداً في كثير من أحوالهم بسبب أعمالهم؛ وقد قال تعالى: )ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي
النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ( وفُسّر الفساد في الآية بالشرك والمعاصي وقطع السبيل والظلم
والقتل والقحط وكساد الأسعار وقلة المعاش، قال ابن عباس t: "هو نقصان البركة بأعمال العباد؛ كي يتربوا"، قال النحاس:
"وهو أحسن ما قيل في الآية".
ومن
الفساد: الغلو والإسراف في صرف الأموال، والإسراف في معصية الرحمن، قال تعالى: )أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ * فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ *
وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ * وَتَنْحِتُونَ مِنْ الْجِبَالِ بُيُوتًا
فَارِهِينَ * فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِي * وَلا تُطِيعُوا أَمْرَ
الْمُسْرِفِينَ * الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ( [الشعراء: 146-152]، أي: ولا تطيعوا
أمر الذين أسرفوا على أنفسهم بالشرك واتباع الهوى والشهوات، الذين يعيثون في أرض
الله فساداً، ولا يقومون فيها بإصلاح به تسعد البلاد، وقال الشيخ السعدي:
"أي: الذين وصفُهم ودأبُهم الإفساد في الأرض بعمل المعاصي والدعوة إليها
إفساداً لا إصلاح فيه وهذا أضرُّ ما يكون؛ لأنَّه شرٌّ محض، وكأنَّ أناساً عندهم
مستعدون لمعارضة نبيهم موضعون في الدعوة لسبيل الغي فنهاهم صالح عن الاغترار
بهم".
ومن
الفساد الذي حذر القرآن منه: الجشع في جمع المال من غير حقّه، قال الله تعالى: )وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ
تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنْ
الْمُصْلِحِ... ( [البقرة: 220]، قال ابن زيد في قول
الله تعالى ذكره: )وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنْ الْمُصْلِحِ( قال: "الله يعلم حين تخلط مالك بمال اليتيم: أتريد أن تصلح
ماله، أو تفسده فتأكله بغير حق؟".
ومن
الفساد كذلك -يا عباد الله- إيقاد نيران الحروب، قال تعالى عن اليهود: )...كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ
أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ
الْمُفْسِدِينَ( [المائدة: ٦٤] أي: يسعون في الأرض مفسدين أو للفساد، وذلك بإثارة
الحروب والفتن، وهتك المحارم واستحلالها، وسفك الدِّماء، والكيد للمسلمين وخداعهم،
)والله لا يحبُّ المفسدين( أي: لا يرضى فعلهم، فلا يجازيهم على إفسادهم إلَّا شرًّا وعقوبة،
ونفي المحبَّة: كناية عن كونه لا يعود عليهم بفضله وإحسانه، ولا يثيبهم، وإذا لم
يثبهم فهو معاقبهم.
نسأل
الله أن يرينا الحق حقاً ويرزقنا اتباعه...
© حقوق النشر محفوظة آيات للبحوث والدراسات @ 2026.