السلف
الصالح: نماذج ومواقف في تدبرهم وتأثرهم من القرآن
الخطبة الأولى:
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه
ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، مَنْ يهده الله فلا مضلَّ
له، ومَنْ يُضلل الله فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد
أن محمدًا عبده ورسوله.
أمّا بعد:
فاتقوا الله -عباد الله- حق
التقوى، قال الكريم المولى: )وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا
* وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ([الطلاق: 2- 3]، )وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ
يُسْرًا([الطلاق: 4].
أيها المسلمون:
لقد عاش سلف هذه الأمة مع القرآن
تدبراً وخشوعاً، وعملاً وتطبيقاً، فحالهم عند سماع الآيات توَجَل القلوب، وتدمع
العيون، وتقشعر الجلود، قال تعالى في وصفه عباده المؤمنين: )إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ
اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ
إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ( [الأنفال: 2]، وقال الله سبحانه تعالى: )اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا
مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ
رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ
هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاء وَمَن يُضْلِلْ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ
هَادٍ( [الزمر: 23].
فكانوا إذا ذُكِّرو بالآية من
كتاب الله تذكَّروا، وإذا بُصِّروا بقول الله تعالى تبصَّروا، فعاشوا أحياء
الأفئدة، سليمي القلوب، وعاشوا مع القرآن العظيم بالقراءة والتَّفكُّر والتَّدبُّر،
والعمل والتطبيق.
|
عباد ليل إذا
جنَّ الظلام بهم |
|
كم عابد دمعه في
الخد أجراه |
عباد الله:
إنّ القرآن الكريم لن يتذوقه
أحدٌ إلاّ بعدما يُقبل عليه، ولن يُحسن تعامله مع القرآن إلاّ حينما يعرف ضرورة
تدبره، ولن يُصلح من حاله إلاّ وقتما يعرض نفسه على كتاب الله ليجد خللها فيُصلحه،
أو يُرقي من كمالاتها ويُجمّلها.
ولقد استثمر السلف الصلح أوقاتهم
مع كتاب الله بحسن التدبر؛ فكانوا يعكفون عليه، بل على آية واحدة من آياته ليلة
كاملة، وتارة لا يجاوزون الآية أياماً للوقوف مع معانيها واستطعام حلاوتها؛ فكما
أنّ للإيمان طعم فللقرآن طعمٌ، وأي طعم، وسكينة وهناء ورضى!
وقد قال ابن القيم رحمه الله
كلاماً يكتب بماء الذهب، قال: "ليس شيءٌ أنفع للعبد في معاشه ومعاده وأقرب
إلى نجاته: من تدبر القرآن وإطالة التأمل فيه، وجمع الفكر على معاني آياته"، ويقول
العلامة السعدي رحمه الله بقوله: "من فوائد التدبر لكتاب الله: أنه بذلك يصل
العبد إلى درجة اليقين والعلم بأنه كلام الله، لأنه يراه يصدق بعضه بعضاً، ويوافق
بعضه بعضاً".
|
وكتاب ربك إن في
نفحاته |
|
مِنْ كُلِّ خيرٍ
فوقَ ما يُتوقع |
عباد الله:
لقد فهم السلف الصالح من الصحابة
والتابعين الأوامر بتدبر كلام الله تعالى، وامتثلوا لهدي رسول r وسنته الشريفة، قال عبدالله بن عروة ببن الزبير: قلت لجدتي أسماء
بنت أبي بكر كيف كان أصحاب رسول الله r إذا سمعوا القرآن؟ قالت: "تدمع
أعينهم وتقشعر جلودهم كما نعتهم الله". ويقول عنهم الحسن البصري رحمه الله
تعالى: "إن من كان قبلكم رأوا القرآن رسائل من ربهم، فكانوا يتدبرونها بالليل،
وينفذونها بالنهار"، وحيث يقول
الإمام النووي: يقول تعالى: )أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ( [النساء: 82]، وقال تعالى: ) كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ
إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ( [ص: 29]، والأحاديث فيه
كثيرة وأقاويل السلف فيه مشهورة، وقد بات جماعة من السلف يتلون آيه واحدة،
يتدبرونها ويردِّدونها إلى الصباح، وقد صعق جماعة من السلف عند القراءة، ومات
جماعات حال القراءة، وروينا عن بهز بن حكيم أن زرارة بن أوفى التابعي الجليل t أمَّهم في صلاة الفجر، فقرأ حتى بلغ: )فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ * فَذَلِكَ
يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ( [المدثر: 8-9]، خرَّ ميتاً، قال بهز: وكنت
فيمن حمله، وكان أحمد بن أبي الحواري t وهو ريحانة الشام كما قال
أبو القاسم الجنيد رحمه الله-، إذا قُرئ عنده القرآن يصيح ويصعق".
عباد الله:
لا يُمكن أن نتجاوز سيرة رسول
الله r في تدبره للقرآن، وحسن تلاوته، والوقوف مع
آياته ومعانيه، واستبصار قلبه بكل آية وماذا يُراد بها؛ فقد أخرج الإمام مسلم عن
حذيفة بن اليمان: قال صليت مع النبي r ذات ليلة فافتتح البقرة،
فقلت يركع عند المائة ثم مضى، فقلت يصلي بها في ركعة فمضى، فقلت يركع بها، ثم
افتتح النساء فقرأها ثم افتتح آل عمران فقرأها، يقرأ مترسلاً، إذا مر بآية فيها
تسبيح سبح، وإذا مرّ بسؤال سأل، وإذا مرّ بتعوذ تعوذ[رواه مسلم: 772].
وأخرج البخاري في صحيحه عن
عبد الله بن مسعود قال: قال لي النبي r: "اقرأ عليَّ" قلت: يا رسول الله آقرأ عليك وعليك أنزل؟
قال: "نعم"
فقرأت سورة النساء حتى أتيت إلى هذه الآية: )فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ
بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا( [النساء: 41] قال: "حسبك الآن"
فالتفت إليه فإذا عيناه تذرفان [رواه البخاري: 4763].
وفي سنن ابن ماجه: سَمِعْتُ
أَبَا ذَرٍّ، يَقُولُ: قَامَ النَّبِيُّ r بِآيَةٍ حَتَّى أَصْبَحَ يُرَدِّدُهَا، وَالْآيَةُ: )إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ
وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ( [المائدة: 118] [رواه ابن ماجه: 1350]، وما
كثرة الترداد إلا لطلب التدبر والتفكر والمناجاة.
فرسول الله r، يتدبر الآية، ويحب سماع الآية من غيره، ويخشع قلبه وتذرف عينه
وقت سماعها، بل حين يمشي ويسمع الآية من بيوت صحابته يبقى واقفاً مستمعاً لكتاب
الله تعالى، ويقف في تلاوة آية كاملة طيلة ليلة كاملة.
وتحدثنا أم المؤمنين عائشة عن
أبيها أبو بكر الصديق t أنه كان ذا رقة وحساسية
ولا يملك نفسه من البكاء عند تلاوة القرآن، قالت: "إنّ أبا بكر رجلٌ رقيقٌ"
وفي رواية: "أَسِيفٌ" وفي روايةٍ: "كان أبو بكر رجلا بكّاءً؛ لا
يملكُ عينيه إذا قرأ القرآن"! ولما النبي
r أبا بكر أن ينوبه بالصلاة
في مرضه، قالت عائشة: "يا رسول الله إن أبا بكر رجل أسيف فمتى ما يقم مقامك
يغلبه البكاء" أي: سريع البكاء والحزن، وقيل: هو الرقيق. قال أبو عبيد: "الأسيف
السريع الحزن والكآبة".
ولم تكن تلاوته وتأمله لآيات
الله تقتصر على خشوعه من خشية الله؛ بل كان يطبق ذلك عملياً وهو التحقيق والتطبيق
للفائدة المجتناة من التدبر.
فإنّ أبا بكر الصديق t كان ينفق على مسطح بن أثاثة لقرابته منه وفقره، فلما قال مسطح ما قال
في السيدة عائشة في حادثة الإفك، قال أبو بكر: والله لا أنفق على مسطح شيئًا أبدًا
بعد الذي قال في عائشة، ما قال. فأنزل الله: )وَلاَ يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنكُمْ
وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ
فِي سَبِيلِ اللهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلاَ تُحِبُّونَ أَن يَّغْفِرَ
اللهُ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ( [النور: 22]، فقال أبو بكر: "بلى والله
إني أحب أن يغفر الله لي"، فرجع إلى النفقة التي كان ينفق عليه، وقال: والله
لا أنزعها أبدًا.
وعن عبد الله بن عمر قال: قال
أبو بكر الصديق y أجمعين: كنت عند رسول الله r فأنزلت عليه هذه الآية )مَن يَعْمَلْ سُوۤءًا يُجْزَ بِهِ وَلاَ
يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيّاً وَلاَ نَصِيراً( [النساء: 123] فقال رسول الله r: "يا أبا
بكر ألا أقرئك آية أنزلت على"، قلت بلى يا رسول الله. قال: فأقرأنيها
فلا أعلم إلا أنى قد كنت وجدت انقصاماً في ظهري فتمطأت لها، فقال رسول الله r: "ما
شأنك يا أبا بكر" قلت: يا رسول الله بأبي أنت وأمي وأينا لم يعمل
سوءاً وإنا لمجزيون بما عملنا، فقال رسول الله r: "أما
أنت يا أبا بكر والمؤمنون فتجزون بذلك فى الدنيا حتى تلقوا الله وليس لكم ذنوب،
وأما الآخرون فيجمع ذلك لهم حتى يجزوا به يوم القيامة" [رواه الترمذي:
3313].
خَرَج عمرُ يَعُسُّ المدينةَ
ذاتَ ليلةً، فمَرَّ بدار رجلٍ من المسلمين، فوافَقَه قائمًا يصلِّي، فوَقَف،
فسَمِعَ قراءتَه يقرأ: )وَالطُّورِ( حتى بَلَغ: )إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ * مَا لَهُ
مِنْ دَافِعٍ( [الطور: 7-8]، فقال: "قَسَمٌ وربِّ الكعبة حقٌّ، فنَزَل عن حماره،
واستَنَدَ إلى حائط، فلَبِثَ مليًّا، ثم رجع إلى منزله، فلَبِثَ شهرًا يَعودُهُ
الناسُ، لا يَدرون ما مَرَضُهُ t".
ويروي عبيد بن عمير قال: "صلى
بنا عمر بن الخطاب t صلاة الفجر فافتتح سورة يوسف فقرأها حتى إذا
بلغ )وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ
كَظِيمٌ( [يوسف: 84] بكى حتى انقطع فركع".
وروى الإمام الطبري عن أبي
مسعود t قال: لما نَزَلَ قول الله
تعالى: )مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا
حَسَنًا( [الحديد آية 11]، قال: جاء أبو الدحداح إلى رسول الله r فقال: يا رسول الله! إن الله تعالى يقول: )مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً
حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً( [البقرة:245] يا رسول الله إن الله يريد منا
القرض؟ قال: "نعم، يا
أبا الدحداح"، قال: أرني يدك، فناوله r يده، فقال: إني قد أقرضت ربي حائطي، وفي حائطي ست مائة نخلة، ثم جاء t وأرضاه إلى ذلك البستان، فوجد أم الدحداح قد جلست مع صبيانها تجمع
ذلك التمر والرطب الذي تساقط من ذلك النخل المبذول لوجه الله، تجمعه لكي تستفيد
منه، فنادى: يا أم الدحداح -وهي في الحائط-، فقالت: لبيك، فقال: اخرجي فقد أقرضته
ربي.
|
بيني من الحائط
بالوداد |
|
فقد مضى قرضاً
إلى التنادي |
فماذا قالت تلك المرأة
الصالحة التي تربَّت على
مائدة الكتاب العظيم؟ تلك المرأة التي تعرف ربها وتحيا بطاعة خالقها، هل قالت:
ضيعتنا، هل قالت: هدمت حياتنا؟ قالت له تخاطبه بما خاطبها:
|
بشرك الله بخير
وفرح |
مثلك أدى ما
لديه ومنح |
ثم ضربت أيدي صبيانها، وخرجت
من الحائط بلا تمر.
وهكذا كان كثير من الصحابة
يتدبرون الآيات فيتأثرون ويخشعون؛ لأنّ صلتهم بالقرآن لم تكن لأجل الحفظ والتلاوة
بل لمزيد على ذلك من التدبر والعمل؛ لهذا قال عبد الرحمن السلمي: "أخذنا
القرآن عن قوم أخبرونا أنهم كانوا إذا تعلموا عشر آيات لم يجاوزهن إلى العشر الأخر
حتى يعلموا ما فيهن، فكنا نتعلم القرآن والعمل به، وسيرث القرآن بعدنا قوم يشربونه
شرب الماء، لا يجاوز تراقيهم".
وروى البيهقي في سننه عن أبي
حمزة قال: "قلت لابن عباس: إني سريع القراءة، إني أقرأ القرآن في ثلاث، قال:
لأن أقرأ سورة البقرة في ليلة أتدبرها، وأرتلها أحب إلي من أن أقرأ القرآن كله
حدراً كما تقول، وإن كنت لا بد فاعلاً؛ فاقرأ ما تسمعه أذنك، ويفهمه قلبك" [رواه
البيهقي: 4231]، ويقولُ ابنُ أبي مليكة: "سافرتُ مع ابنِ عباس مِن مكةَ إلى
المدينةِ، فكان يَقومُ نصفَ الليلِ فيقرأُ القرآنَ حرفاً حرفاً، ثم يَبكي حتى
تَسمعَ له نَشيجاً".
وقام تميم الداري ليلة بهذه
الآية: )أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا
السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ
سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ( [الجاثية: 21]، فبات ليلة يقرؤها ويركع
ويسجد ويبكي إلى الصباح، وقد أثّرت هذه الآية على عدد من الصالحين؛ حتّى سُمّيت
"مبكاة العابدين" فقد قال بشير: بتُّ عند الربيع ذات ليلة فقام يصلي فمر
بهذه الآية، فمكث ليله حتى أصبح ببكاء شديد".
وقال إبراهيم بن الأشعث: "كثيرًا
ما رأيت الفضيل بن عياض يردد من أول الليل إلى آخره هذه الآية ونظيرها، ثم يقول:
ليت شعري! من أي الفريقين أنت؟"
وروى الإمام أحمد عَنْ
صَعْصَعَةَ بْنِ مُعَاوِيَةَ -عَمِّ الْفَرَزْدَقِ- "أَنَّهُ أَتَى
النَّبِيَّ r فَقَرَأَ عَلَيْهِ: )فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ
* وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ( [الزلزلة: 7-8]، قَالَ:
حَسْبِي! لَا أُبَالِي أَلَّا أَسْمَعَ غَيْرَهَا"[رواه أحمد: 20612].
وقد كان الحسن البصري رحمه
الله يُردِّد في ليلة قولَه تعالى: )وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا
تُحْصُوهَا( [النحل: 18]، فقيل له في
ذلك، فقال: "إن فيها لمعتبرًا، ما نرفع طرفًا ولا نردُّه إلا وقع على نعمة،
وما لا نعلمه من نِعم الله أكثر".
وقرأ الفُضَيْل بن عياض رحمه
الله قول الله تعالى: )أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ( [البلد: 8]، فبكى، فُسئل عن بكائه، فقال: "هل
بتَّ ليلة شاكرًا لله أن جعل لك عَينَيْنِ تُبصِرُ بهما؟ هل بتَّ ليلةً شاكرًا لله
أن جعل لك لسانًا تنطق به؟ وجعل يُعدِّدُ من هذا الضرب".
|
وإنَّ كِتَابَ
اللهِ أوثقُ شَافِعٍ |
|
وأغنى غَناءًا
واهباً مُتَفَضِّلا |
بارك الله لي ولكم في القرآن
العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم...
الخطبة الثانية:
الحمد
الله، والصلاة والسلام على رسول الله..
أما
بعد:
أيها
المسلمون:
إن
من تدبَّر كلام الله حقَّ التَّدبُّر حصَّل من المصالح والمنافع الدنيوية
والأخروية، ما لا يعلمه إلا الله، ولذلك فقد أوصى العلماء بحسن التَّدبر لكتاب
الله، ومن تلك المصالح والمنافع المرجوة من تدبر كلام الله تعالى:
أولاً: تطهيرٌ للقلوب من
الأمراض ليُرزق المرء حسن الصحبة والفهم للقرآن؛ فقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية
رحمه الله: "فإذا كان ورقه لا يمسه إلا المطهرون؛ فمعانيه لا يهتدي بها إلا
القلوب الطاهرة"، وقال ابن القيم: "وأنت إذا تأملت قوله تعالى: )إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ
مَكْنُونٍ * لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ( [الواقعة: 77-79]، وجدتَ الآية من أظهر
الأدلة على نبوة النبي r، وأن هذا القرآن جاء من عند اللَّه، وأن
الذي جاء به روح مطهر، فما للأرواح الخبيثة عليه سبيلٌ، ووجدت الآية أُخْتَ قوله: )وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ * وَمَا
يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ( [الشعراء: 210-211]، ووجدتها دالَّةً بأحسن
الدلالة على أنه لا يمسَّ المصحف إِلا طاهر، ووجدتها دالة -أيضًا- بألطف الدلالة
على أنه لا يجد حلاوتَه وطعمه إِلَّا من آمن به وعمل به، كما فهمه البخاريُّ من
الآية فقال في "صحيحه" في باب: )قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا( [آل عمران: 93]: "لا يمسه": لا
يجد طَعْمه ونفعه، إِلَّا من آمن بالقرآن ولا يحمله بحقه إِلَّا الموقن؛ لقوله
تعالى: )مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ
ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا( [الجمعة: 5]، وتجد تحته -أيضًا- أنه لا
يَنَال معانيه ويفهمه كما ينبغي إِلَّا القلوبُ الطاهرة، وأنَّ القلوب النجسة
ممنوعةٌ من فهمه مصروفة عنه"، يقول الله: )لَّا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ( علق البخاري على قوله: )لَّا يَمَسُّهُ(، فقال: "لا يجد طعمه ونفعه إلا من آمن
بالقرآن ولا يحمله بحقه إلا الموقن المؤمن". قال ابن حجر: "والمعنى: لا
يجد طعمه ونفعه إلا من آمن به، وأيقن بأنه من عند الله، فهو المطهر من الكفر، ولا
يحمله بحقه إلا المطهر من الجهل والشك، لا الغافل عنه الذي لا يعمل"، وقال
عثمان بن عفان t: "لوأن قلوبنا طهرت ما شبعنا من كلام
ربنا، وإني لأكره أن تأتي علي يوم لا أنظر في المصحف".
ثانياً: تقوية اليقين عند
العبد وزيادته ويثبته عليه: قال تعالى: )وَفِي الأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ * وَفِي
أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ * وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ *
فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ( [الذاريات: 20-23] ففي هذه الآيات يدعو الله
I عباده إلى التفكر والاعتبار بالآيات والأنفس
لعلهم يوقنون، وهو شامل للتفكر في الأرض نفسها وما فيها من جبال وبحار وأنهار
وأشجار ونبات تدل المتفكر فيها المتأمل لمعانيها على عظمة خالقها وسعة سلطانه
وعميم إحسانه وإحاطة علمه بكل شيء ظاهرًا وباطنًا، وتأمل قوله تعالى: )حم * تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنْ اللَّهِ
الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ * إِنَّ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ لآيَاتٍ
لِلْمُؤْمِنِينَ * وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ لِقَوْمٍ
يُوقِنُونَ * وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنْ
السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ
الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ * تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا
عَلَيْكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ *
وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ * يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ
ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ
أَلِيمٍ * وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آيَاتِنَا شَيْئًا اتَّخَذَهَا هُزُوًا أُوْلَئِكَ
لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ * مِنْ وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ وَلا يُغْنِي عَنْهُمْ مَا
كَسَبُوا شَيْئًا وَلا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ وَلَهُمْ
عَذَابٌ عَظِيمٌ( [الجاثية: 1-10]، يقول السعدي في تفسير هذه
الآيات ما ملخصه: "يخبر تعالى خبرًا
يتضمن الأمر بتعظيم القرآن والاعتناء به، أنه تنزيل من الله، المألوه المعبود، لما
اتصف به من صفات الكمال، وانفرد به من النعم، الذي له العزة الكاملة والحكمة
التامة. وكذلك التفكر في نفس العبد؛ فإن فيها من العبر والحكمة ما يدل على وحدانية
الله وأنه المستحق للعبادة دون سواه، وأنه لم يخلق الخلق سدى بل خلقهم لغاية عظيمة
وهي عبادة الله وحده لا شريك له، وكذلك الآيات التي تتحدث عن توحيد الله تعالى
والآيات التي تصف عظمته وتقود إلى معرفته، فإن معرفة الله عز وجل وتعظيمه في النفوس
من أنفع الأسباب لتقوية اليقين".
ثالثاً: أن يجد في نفسه أن
القرآن يحاكيه ويخاطبه لا كأنه يخاطب غيره؛ لهذا يذكر ابن قدامة أنّ من جوانب
التدبر لقارئ القرآن: "أن يعلم أنه المقصود بخطاب القرآن ووعيده، وأن القصص
لم يرد بها السمر بل العبر".
وقد ذكر المفكر والشاعر
المسلم محمد إقبال قصّة لطيفة حيث قال: "قد كنت تعمدت أن اقرأ القرآن بعد
صلاة الصبح كل يوم، وكان أبي يراني فيسألني، ماذا أصنع؟ فأجيبه: أقرأ القرآن، وظل
على ذلك ثلاث سنوات متتاليات، يسألني سؤاله فأجيبه جوابي، وذات يوم قلت له: مالك
يا أبي تسألني نفس السؤال، وأجيبك جواباً واحداً، ثم لا يمنعك ذلك عن إعادة السؤال
من غد؟ فقال: إنما أردت أن أقول لك يا ولدي: اقرأ القرآن كأنما أنزل عليك، ومنذ
ذلك اليوم بدأت اتفهم القرآن، وأقبل عليه، فكان من أنواره ما اقتبست ومن درره ما
نظمت".
ومن أهم ذلك قراءة الآيات
وتكرارها في قيام الليل؛ حيث يقول ابن القيم: "أنّ من عادة السلف يردد أحدهم
الآية حتى يصبح"، وسبقه الإمام الغزالي بقوله: "وإذا لم يتمكن من التدبر
إلا بترديد فليردد إلا أن يكون خلف إمام فإنه لو بقي في تدبر آية وقد اشتغل الإمام
بآية أخرى كان مسيئاً".
فالتلاوة والترداد يزيد من
فهم المعاني وتدبرها؛ فإن كثرة الترداد والتكرار للآية يعين على المزيد من فهم المعاني؛
ولهذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: "والمقصود أن القرآن مَنْ
تدبّره تدبراً تاماً تبيّن له اشتماله على بيان الأحكام، وأن فيه من العلم ما لا
يدركه أكثر الناس، وأنه يبيّن المشكلات ويفصل النزاع بكمال دلالته وبيانه إذا
أُعطي حقه، ولم تُحرّف كَلِمُه عن مواضعه".
عباد الله:
ويجدر بنا التنبيه إلى أن تدبُّر
القرآن وإن كان يُعطي للنفس محاولة التفقه والتَّعرُّف على معانيه؛ لكنه لا يعطي
لها الإذن للقول على الله بلا علم؛ فقد جعل الإمام ابن كثير رحمه الله آية التدبر
مانعة مِن القول على الله بغير علم.
عباد الله:
إن القرآن الكريم كتاب حياة
يخاطب الأرواح؛ ألا وإنّ من أسوأ ما يجري في أوضاع الناس اليوم ما ينقلون به
اعتبار القرآن كونه الكتاب الذي ينعش الأرواح ويوقظ القلوب ليكون كتاباً يُسمع
ويُتلى وقت وفاة الميت؛ فانتقل القرآن ليكون للأحزان والمآتم، فيقرأ القارئ،
والناس لاهون، وإذا أصغوا بآذانهم فإنما يدفعهم لذلك حسن الصوت، أما المعنى وتدبر
ما يقرأ فلا يحصل منه شي، ولهذا لما توفي ولدٌ لابن عقيل أحد علماء السلف سنة عشر
وخمسمئة، وعمر هذا الابن سبعٌ وعشرون سنة، وكان قد تفقه وناظر في الأصول والفروع
وظهر منه أشياء تدل على دينه وخيره حزِنَ عليه أبوه، وصبر صبرًا جميلًا، فلما
دُفِن جعل يتشكر للناس، فقرأ قارئ: )يَا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَبًا
شَيْخًا كَبِيرًا فَخُذْ أَحَدَنَا مَكَانَهُ ۖ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ
الْمُحْسِنِينَ( [يوسف: 78] فبكى هذا العالِم، وبكى الناس،
وضج الموضع بالبكاء؛ فقال العالم للقارئ يا هذا: "إن كان يهيج الحزن فهو
نياحة, والقرآن لم ينزل للنوح بل لتسكين الأحزان".
عباد الله:
فالقرآن كالجوهرة فكلما
قلَّبْتَ فيه النظر تبيَّن لك لوناً رائقاً، وجوهراً فائقاً، ألا فلْيَهْنَأ
المسلمون بكتاب ربهم وليرجعوا له؛ فيهنؤوا، وقد وعدهم ربهم أنَّ فيه الهدى والرحمة
والبشرى؛ فيا وَيْحَهم! كيف تتقاصر هممهم عن كنوزه، وتقعد عزائمهم عن النيل من
جواهره ودرره وياقوته.
والله إنَّ المغبون كل الغبن
من قعد عنه ولم ينهض به شرفاً وعلماً وفهماً وتدبراً، ولكن لا يعقلها إلا
العالمون.
|
هذا كتابُ الله
يا قومُ ارجعوا |
|
لرياضه الفيحاءِ كلَّ أوانِ |
نسأل الله أن يرزقنا
تدبراً وفهماً في كتابه وعملاً بما فيه على منهاج النبوة المحمدية، والسلف الصالح؛
إنه سبحانه خير مسؤول.
© حقوق النشر محفوظة آيات للبحوث والدراسات @ 2026.