لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى
الخطبة الأولى:
إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من
شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له.
وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا
اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ([آل عمران: 102]، )يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ
الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ
مِنْهُمَا رِجَالًا كثيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ
بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا([النساء: 1]، )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا
اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ
لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا
عَظِيمًا([الأحزاب: 70-71].
أما بعد:
فاتقوا الله -عباد الله- حق التقوى، فإنه من يتقى الله
وقاه من كل ما أهمه: )وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا
* وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ([الطلاق: 2- 3]، )وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ
أَمْرِهِ يُسْرًا([الطلاق: 4].
أيها المسلمون:
يقومُ كثيرٌ من الناس بالإنفاق في أوجه الخير
-مشكورين مأجورين-، وتوزيع الصدقات، وأعمال الخير التطوعية والإغاثية، فيرغبون أن
يتقبّل الله منهم أعمالهم وتطوعاتهم، ويحرصون على إخلاص العمل لله، وربّما لا يراهم
أحدٌ إلاّ من تصدقوا عليه أو خدموه، لكن يغفلون عن أمر خطير، وهو إبطال صدقاتهم
وهم لا يشعرون!
إنّه خُلقٌ ذميم وطبع لئيم؛ إنَّه المنُّ والأذى بصنائع
المعروف التي تُسدى إلى الآخرين من الفقراء أو المحتاجين!
لقد أثنى الله I على الذين ينفقون أموالهم في
سبيل الله تعالى، ولا يتبعون ذلك ما يفسدها وينقصها من المنَّ والأذى، وقد وعدهم U بأنه سيوفيهم أجورهم، وأخبر
أنَّه لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، فقال تعالى: )الَّذِينَ يُنفِقُونَ
أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ ثُمَّ لاَ يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُواُ مَنًّا
وَلاَ أَذًى لَّهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ
هُمْ يَحْزَنُونَ* قَوْلٌ مَّعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِّن صَدَقَةٍ
يَتْبَعُهَآ أَذًى وَاللّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ( [سورة
البقرة: 262-263]، قال الإمام القرطبي: "قيل أن قوله: )الَّذِينَ يُنْفِقُونَ
أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ.. ( الآية، نزلت
في عثمان بن عفان t، قال عبد الرحمن بن سمرة: جاء
عثمان بألف دينار في جيش العسرة فصبها في حجر رسول الله صلى الله عليه وسلم فرأيته
يدخل يده فيها ويقلبها، ويقول: "ما
ضر ابن عفان ما عمل بعد اليوم، اللهم لا تنس هذا اليوم لعثمان" وقال
أبو سعيد الخدري t: "رأيت رسول الله صلى
الله عليه وسلم رافعاً يديه يدعو لعثمان يقول: "يا ربَّ عثمان إني رضيتُ عن عثمان فارض عنه"
قال: فما زال يدعو حتى طلع الفجر، فنزلت: )الَّذِينَ يُنفِقُونَ
أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ ثُمَّ لاَ يُتْبِعُونَ مَا أَنفَقُواُ مَنًّا وَلاَ
أَذًى("
الآية...
لقد نهى الله U -يا عباد الله- عن المنِّ على المحتاجين أو إشعارهم بهذا العمل عند
التصدق عليهم، وجعل ذلك من محبطات الأعمال والحسنات، فقال تعالى: )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ
آمَنُواْ لاَ تُبْطِلُواْ صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأذَى كَالَّذِي يُنفِقُ
مَالَهُ رِئَاء النَّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَمَثَلُهُ
كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً لاَّ
يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُواْ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ
الْكَافِرِينَ( [البقرة:
264]، قال الشيخ السعدي: "أي: أنتم وإن قصدتم بذلك وجه الله في ابتداءَ
الأمر، فإنَّ المنَّة والأذى مبطلان لأعمالكم، فتصير أعمالكم بمنزلة الذي يعمل
لمراءاة الناس ولا يريد به الله والدار الآخرة، فهذا لا شك أن عمله من أصله مردود،
لأن شرط العمل أن يكون لله وحده وهذا في الحقيقة عمل للناس لا لله، فأعماله باطلة
وسعيه غير مشكور"، وبيّن I أنّ الصدقة التي يتبعها منٌّ أو أذى ليست متقبلة وأنها بخلاف قول
المعروف فقال: )قَوْلٌ مَعْرُوفٌ
وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى(.[البقرة:
263]، بل إنّ الله تعالى نهى نبيه صلى الله عليه وسلم عن المن، فقال سبحانه: )وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ( [المدثر: 6].
|
ليس الكريم الذي يعطي عطيتَهُ |
|
على الثناء وإن أغلى به الثمنا |
وقد ثبت ذم المنِّ أيضاً في الأحاديث الشريفة: فعن
أبي ذر t عن النبي r قال: أن النبيِّ ﷺ قَالَ: "ثلاثة لا يكلِّمهم اللَّه يوم
القيامة، ولا ينظرُ إلَيهِم، ولا يزَكِّيهم، ولهُم عذابٌ أليمٌ"، قال:
فَقرأها رسول اللَّه ﷺ ثَلاثَ مرَّاتٍ. قَالَ أَبُو ذرٍّt: خَابُوا وخَسِروا، مَنْ هُمْ
يَا رسولَ اللَّه؟ قال: "المُسْبِلُ،
والمَنَّانُ، والمُنَفِّقُ سلعتَهُ بالحَلِفِ الكَاذبِ" [رواه مسلم:
106]، وعن ابن عمر t قال: قال رسول الله صلى الله
عليه وسلم: "ثلاثة لا
ينظر الله U إليهم يوم القيامة, العاق لوالديه، والمرأة المترجلة، والديوث,
وثلاثة لا يدخلون الجنة: العاق لوالديه، والمدمن على الخمر، والمنان بما أعطى"
[رواه النسائي:
2562، وقال الألباني: "حسن صحيح" كما في تحقيق سنن النسائي: 2562].
والمنُّ –يا عباد الله-: هو ذكر النِّعمة على معنى
التَّعديد لها والتَّقريع بها، مثل أن يقول المرء لآخر: "قد أحسنت إليك
ونعشتك وعملت لك ولم أقصِّر معك"، وقال بعضهم: "المنُّ: التَّحدث بما
أعطى حتى يبلغ ذلك المعطى فيؤذيه".
قال ابن منظور: "المَنُّ أَن تَمُنَّ بما أَعطيت
وتعتدّ به".
وقال ابن حجر الهيثمي: "ثم إنَّ المنَّ هو أن
يعدِّد نعمته على الآخذ أو يذكرها لمن لا يحب الآخذ اطلاعه عليه، وقيل: هو أن يرى
أن لنفسه مزيةً على المتصدِّق عليه بإحسانه إليه، ولذلك لا ينبغي أن يطلب منه
دعاءً ولا يطمع فيه، لأنَّه ربما كان في مقابلة إحسانه فيسقط أجره"، ومن ذلك
ندرك سرَّ حرص عائشة رضي الله عنها أنها إذا تصدقت على فقير فدعا لها أنها كانت
تدعو له حتى يبقى لها ثواب الصدقة، فقد كَانَتْ رضي الله عنها إذَا أَرْسَلَتْ
إلَى قَوْمٍ بِهَدِيَّةِ تَقُولُ لِلرَّسُولِ: "اسْمَعْ مَا دَعَوْا بِهِ
لَنَا؛ حَتَّى نَدْعُوَ لَهُمْ بِمِثْلِ مَا دَعَوْا وَيَبْقَى أَجْرُنَا عَلَى
اللَّهِ".
إن المنَّ بالصدقات والأعطيات -يا عباد الله- محرَّمٌ،
بل هو كبيرةٌ من كبائر الذنوب والآثام، فهو يُبِطل الشكر، ويمحُ الأجر، ودليل على
الدناءة، وسوء الخلق، يقول الله I: )الَّذِينَ يُنْفِقُونَ
أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا
وَلا أَذًى لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ
يَحْزَنُونَ * قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا
أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا
صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ
وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ
عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى
شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ( [البقرة: 262-264]،
قال الزين بن المنير: "وجه الاستدلال من الآية أن الله تعالى شبه مقارنة المن
والأذى للصدقة أو إتباعها بذلك بإنفاق الكافر المرائي الذي لا يجد بين يديه شيئًا
منه، ومقارنة الرياء من المسلم لصدقته أقبح من مقارنة الإيذاء وأولى أن يشبه
بإنفاق الكافر المرائي في إبطال إنفاقه".
وقال الإمام القرطبي: "قال جمهور العلماء في هذه
الآية: إن الصدقة التي يعلم الله من صاحبها أنه يمنُّ أو يؤذي بها فإنها لا تقبل،
وقيل: بل قد جعل الله للملك عليها أمارة فهو لا يكتبها، وهذا حسن. والعرب تقول لما
يمن به: يدٌ سوداء، ولما يعطى عن غير مسألة: يد بيضاء. ولما يعطى عن مسألة: يد
خضراء" وقال بعض البلغاء: "مَن مَنَّ بمعروفه سقَطَ شكرُه، ومن أعجب
بعمله حبط أجره".
قَالَ أَبُو بَكْرٍ الْوَرَّاقُ فَأَحْسَنَ:
|
أَحْسَنُ مِنْ كُلِّ حَسَنْ |
|
فِي كُلِّ وَقْتٍ وَزَمَنْ |
وقال الضحاك: أن لا ينفق
الرجل ماله خير من أن ينفقه ثم يتّبعه منًا وأذىً، وقال القرطبي: "مَثَّلَ اللَّهُ
تَعَالَى الَّذِي يَمُنُّ وَيُؤْذِي بِصَدَقَتِهِ بِالَّذِي يُنْفِقُ مالَهُ
رِئاءَ النَّاسِ لَا لِوَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى، وَبِالْكَافِرِ الَّذِي يُنْفِقُ
لِيُقَالَ جَوَّادٌ وَلِيُثْنَى عَلَيْهِ بِأَنْوَاعِ الثَّنَاءِ. ثُمَّ مَثَّلَ
هَذَا الْمُنْفِقَ أَيْضًا بِصَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَيَظُنُّهُ الظَّانُّ
أَرْضًا مُنْبِتَةً طَيِّبَةً، فَإِذَا أَصَابَهُ وَابِلٌ مِنَ الْمَطَرِ أَذْهَبَ
عَنْهُ التُّرَابَ وَبَقِيَ صَلْدًا، فَكَذَلِكَ هَذَا الْمُرَائِي. فَالْمَنُّ
وَالْأَذَى وَالرِّيَاءُ تَكْشِفُ عَنِ النِّيَّةِ فِي الْآخِرَةِ فَتَبْطُلُ
الصَّدَقَةُ كَمَا يَكْشِفُ الْوَابِلُ عَنِ الصَّفْوَانِ، وَهُوَ الْحَجَرُ
الْكَبِيرُ الْأَمْلَسُ".
وروي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه عندما سمع رسول
الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لا
يدخل الجنة منان" قال: فشق ذلك عليّ حتى وجدت في كتاب الله في المنان:
)لَا تُبْطِلُوا
صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأذَى( [البقرة:
264] [رواه الطبراني في الكبير: 11007]، وعن الضحاك في قوله تعالى: )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ
آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالأذَى( [البقرة
:264]، قال: "من أنْفق نَفَقَة ثمَّ منَّ بهَا أَو آذَى الَّذِي أعطَاهُ
النَّفَقَة حَبط أجره فَضرب الله مثله كَمثل صَفْوَان عَلَيْهِ تُرَاب فَأَصَابَهُ
وابل فَلم يدع من التُّرَاب شَيْئا فَكَذَلِك يمحق الله أجر الَّذِي يُعْطي صدقته
ثمَّ يمنّ بهَا كَمَا يمحق الْمَطَر ذَلِك التُّرَاب"، وقالت العرب قديماً:
"المنُّ ممحاة الإحسان".
وسمع ابن سيرين رجلاً يقول لآخر: أحسنتُ إليك وفعلتُ
وفعلتُ؛ فقال له ابن سيرين: اسكُتْ فلا خير في المعروف إذا أُحصِي، وقال بعض
الحكماء: "المن مفسدة الصنيعة".
وقال ابن زيد: لئن ظننت أن سلامك يثقل على من أنفقت عليه
تريد وجه الله فلا تسلم عليه. وقالت له امرأة: يا أبا أسامة دلني على رجل يخرج في
سبيل الله حقاً فإنهم لا يخرجون إلا ليأكلوا الفواكه فإن عندي أسهماً وجعبة، فقال:
لا بارك الله في أسهمك وجعبتك فقد آذيتهم قبل أن تعطيهم"، قال ابن عباس أي:
"لا تعط لتأخذ أكثر مما أعطيت من المال"[الجامع لأحكام القرآن: 19/ 78].
وقال الحسن البصري في قوله تعالى: ")وَلَا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ( أي: لا تمنن
بعملك على ربك تستكثره".
هذا يُعلّمنا أنّ المرء إذا أراد القيام بعملٍ فليعمله
لوجه الله ولا يبتغي منه شكراً ولا مصلحة؛ ولا يفعله له ليكون ديناً في عنقه
وسيفاً مسلطاً عليه يريد أن يبتزه به أو يمنّ به عليه؛ فالله تعالى يقول: )لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ
بِالْمَنِّ وَالأذَى(.
وصدق القائل:
|
أَفْسَدْتَ بِالْمَنِّ مَا أَسْدَيْتَ مِنْ حَسَنٍ |
|
لَيْسَ الْكَرِيمُ إِذَا أَسْدَى بِمَنَّانِ |
أيها الناس:
إن مما يجب على المنفق وفاعل الخير والمتصدق أيضا أن
يعلم كما أن المنَّ المنهي عنه يكون بالقول؛ فإنه كذلك يكون بالقلب!، يقول الإمام
ابن القيم رحمه الله: "فالمنُّ نوعان:
أحدهما: منٌّ بقلبه من غير أن يصرح به بلسانه، وهذا إن
لم يبطل الصدقة فهو من نقصان شهود مِنَّة الله عليه في إعطائه المال وحرمان غيره،
وتوفيقه للبذل ومنع غيره منه، فلله المنة عليه من كل وجه، فكيف يشهد قلبه منة
لغيره.
والنوع الثاني: أن يمن عليه بلسانه، فيعتدي على من أحسن
إليه بإحسانه ويريه أنه اصطنعه، وأنه أوجب عليه حقا وطوقه منة في عنقه، فيقول أما
أعطيتك كذا وكذا؟ ويعدد أياديه عنده".
ولذلك فقد أخبر الله جلا وعلا أن من صفات القرض الحسن
عدم المن لا بالقلب ولا باللسان.
عباد الله:
إن الله U هو وحده المنّان، حيث أنَّ من
اسمائه الله جل جلاله: "المنَّان" وحيث له دلالات في القرآن الكريم
والسنة النبويَّة؛ فقد ورد في محكم الآيات قول الله تعالى: )لَقَدْ مَنَّ اللّهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ
إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْ أَنفُسِهِمْ( [آل عمران:
164]، وقال: )بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ
عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ( [الحجرات:
17]، فالله U منان على عباده بإحسانه
وإنعامه ورزقه إياهم، وقال الجوهري: "والمنان من أسماء الله تعالى"،
وقال الخطابي: "وأما المنَّان فهو كثير العطاء"، وقال الحليمي: "ومنها:
"المنان" وهو عظيم المواهب، فإنه أعطى الحياة والعقل والنطق، وصور فأحسن
الصور، وأنعم فأجزل، وأسنى النعم، وأكثر العطايا والمنح، قال وقوله الحق: )وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ
اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا( [إبراهيم:
34]".
وفي الحديث الصحيح عن أنس أنَّه كان مع رسول الله صلى
الله عليه وسلم جالسًا ورجل يصلِّي ثم دعا: اللَّهم إنِّي أسألك بأنَّ لك الحمد لا
إله إلا أنت المنَّان، بديع السموات والأرض، يا ذا الجلال واﻹكرام، يا حي يا قيوم،
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "لقد
دعا اللهَ باسمِه العظيم، الذي إذا دُعي به أجاب، وإذا سُئل به أَعطى"
[رواه أبو داود:1495، وصححه اﻷلباني في سنن أبي داود: 1495].
عباد الله:
إن صفة المنَّة في حقِّ الله جل جلاله صفة كمال، وهي في
حقِّ المخلوق تعتبر صفة نَقص وإذلال.
ولما كان البارئ سبحانه يدر العطاء على عباده مناً عليهم
بذلك وتفضلاً، كانت له المنة في ذلك، فيرجع المنان إذا كان مأخوذاً من المن الذي
هو العطاء إلى أوصاف فعله، ويرجع المنان إذا أخذته من المنة التي هي تعداد النعمة
وذكرها والافتخار بفعلها في معرض الامتنان، إلى صفة كلامه تعالى، يقول شيخ الإسلام
ابن تيمية رحمه الله: "والمنَّان الذي يجود بالنوال قبل السؤال"، ويقول
الإمام ابن القيم رحمه الله: "وحظر الله على عباده المنّ بالصنيعة واختص به
صفة لنفسه لأن من العباد تكدير وتعيير ومن الله سبحانه وتعالى إفضال وتذكير".
ذاك هو الله الذي أنعمه منهمرة، ذو حكمة بالغة، وقدرة
مقتدرة.
انظر إلى الليل من أوجد فيه قمره، وزانه بأنجم كالدرر
المنتثرة؟
انظر إلى المرء وقل من شق فيه بصره؟ من ذا الذي جهزه
بقوة مفتكرة؟
|
الموج سبحه والطير كبره |
|
والوحش مجده والبحر ناجاه |
فاللهم املأ قلوبنا بمحبتك،
ونفوسنا بعظمتك، وأرواحنا بهيبتك، إنك أنت الأعز الأعظم، والجواد الأكرم..
الخطبة الثانية:
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على إمام
المتقين وسيِّد المرسلين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن تَبعهم بإحسانٍ إلى يوم
الدين..
أما بعد:
أيها الناس:
لقد وجهنا الله تعالى -يا عباد الله- إلى فعل ما هو خير من
الصدقة التي يكون فيها المنُّ والأذية فقال تعال: )قَوْلٌ مَعْرُوفٌ
وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ( [البقرة: 263]،
قال الشيخ السعدي: ")قَوْلٌ مَعْرُوفٌ( أي: تعرفه
القلوب ولا تنكره، ويدخل في ذلك كل قولٍ كريمٍ فيه إدخال السرور على قلب المسلم،
ويدخل فيه رد السائل بالقول الجميل والدعاء له، )وَمَغْفِرَةٌ( لمن أساء
إليك بترك مؤاخذته والعفو عنه، ويدخل فيه العفو عما يصدر من السائل مما لا ينبغي،
فالقول المعروف والمغفرة خير من الصدقة التي يتبعها أذى؛ لأن القول المعروف إحسانٌ
قولي، والمغفرة إحسان أيضاً بترك المؤاخذة، وكلاهما إحسان ما فيه مفسد، فهما أفضل
من الإحسان بالصدقة التي يتبعها أذى بمنّ أو غيره، ومفهوم الآية أنَّ الصدقة التي
لا يتبعها أذى أفضل من القول المعروف والمغفرة، وإنما كان المنّ بالصدقة مفسداً
لها محرماً، لأن المنّة لله تعالى وحده، والإحسان كله لله، فالعبد لا يمنّ بنعمة
الله وإحسانه وفضله وهو ليس منه، وأيضا فإن المانّ مستعبِدٌ لمن يمنّ عليه، والذّل
والاستعباد لا ينبغي إلا لله، والله غني بذاته عن جميع مخلوقاته، وكلها مفتقرة إليه
بالذات في جميع الحالات والأوقات، فصدقتكم وإنفاقكم وطاعاتكم يعود مصلحتها إليكم
ونفعها إليكم، )وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ( عنها، ومع
هذا فهو )حَلِيمٌ( على من عصاه
لا يعاجله بعقوبة مع قدرته عليه، ولكن رحمته وإحسانه وحلمه يمنعه من معاجلته
للعاصين، بل يمهلهم ويصرّف لهم الآيات لعلهم يرجعون إليه وينيبون إليه، فإذا علم
تعالى أنه لا خير فيهم ولا تغني عنهم الآيات ولا تفيد بهم المثلات أنزل بهم عقابه
وحرمهم جزيل ثوابه".
أيها المسلمون:
إن القول المعروف للناس صدقة، والمغفرة والمسامحة لمن
أخطأ عليك صدقة؛ فهاتان صدقتان خير من نفقة وصدقة يتبعها أذى ومنَّةٌ فتكون باطلة،
فالله تعالى لا يريد صدقة بالمنة مهما بلغت، وقد ختم الله سبحانه وتعالى الآية
بقوله: )وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَلِيمٌ( أي: إذا
كنتم ستمنُّون على عباد الله بصدقاتكم وأعطياتكم؛ فالله تعالى غنيٌّ عنكم، وإذا
كنتم ستتوبون وتعودون وترجعون؛ فالله حليمٌ لا يعاجل بالعقوبة، ويمهل عبده حتى يؤوب
إليه ويرجع، والله غني لا يحتاج إلى صدقاتكم فنفعها عائدٌ عليكم أنتم.
والمنّ -يا عباد الله- لا يصدر في الغالب إلا من رجل شحيح
بخيل، يقول القرطبي رحمه الله: "لأنَّه -أي المن- لا يكونُ غالبًا إلا عن
البُخْلِ، والعُجْبِ، والكِبْر، ونسيانِ مِنَّةِ الله تعالى فيما أنعَمَ به عليه؛
فالبخيلُ: يعظِّمُ في نفسه العَطِيَّةَ وإنْ كانتْ حقيرةً في نفسها، والعُجْبُ:
يحمله على النظرِ لنفسه بعين العَظَمة، وأنَّه مُنْعِمٌ بمالِهِ على المعطَى له،
ومتفضِّلٌ عليه، وأنَّ له عليه حَقًّا تجبُ عليه مراعاتُهُ، والكِبْر: يحمله على
أن يحتقر المُعْطَى له وإنْ كان في نفسه فاضلاً".
أيها الناس: ينبغي على كل مسلم أن يحذر أشد الحذر من
التَّحلي بهذا الخلق الذميم والطبع اللئيم، وليحرص المسلم الذي يسعى في فعل الخير
من إنفاق مال وإسداء معروف ونحوه، من أن يكون عمله دائماً خالصاً لوجه العزيز
الوهاب، وليحمد الله تعالى دوماً وأبداً أن جعله من المقتدرين المنفقين لا من
المحتاجين السائلين، يقول الإمام القرطبي: "ومُوجِب ذلك –أي الوقوع في
المنِّ- كلّه الجهل، ونسيان منّة اللَّه تعالى فيما أنعم به عليه، إذ قد أنعم عليه
مما يُعطي، ولم يَحْرِمه ذلك، وجعله ممن يُعطي، ولم يجعله ممن يسأل".
وفي الأخير: يجب أن نتنبَّه إلى أمرٍ في غاية الأهمية؛ وهو أنَّه ليس
كل من تحدث بخيره على الآخرين وعدد فضائله عليهم يعتبر مناناً، ومن ذلك أن النبي
صلى الله عليه وسلم لما خاطب الأنصار الذي اعترضوا عن قسمة حنين وقال: "يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ
أَلَمْ أَجِدْكُمْ ضُلَّالًا فَهَدَاكُمْ اللَّهُ بِي؟ وَكُنْتُمْ مُتَفَرِّقِينَ
فَأَلَّفَكُمْ اللَّهُ بِي؟ وَعَالَةً فَأَغْنَاكُمْ اللَّهُ بِي؟"
كُلَّمَا قَالَ شَيْئًا قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمَنُّ، قَالَ: "مَا يَمْنَعُكُمْ أَنْ
تُجِيبُوا رَسُولَ اللَّهِ r؟" قَالَ: كُلَّمَا قَالَ شَيْئًا قَالُوا: اللَّهُ
وَرَسُولُهُ أَمَنُّ، قَالَ: "لَوْ
شِئْتُمْ قُلْتُمْ جِئْتَنَا كَذَا وَكَذَا، أَتَرْضَوْنَ أَنْ يَذْهَبَ النَّاسُ
بِالشَّاةِ وَالْبَعِيرِ وَتَذْهَبُونَ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ
وَسَلَّمَ إِلَى رِحَالِكُمْ؟ لَوْلَا الْهِجْرَةُ لَكُنْتُ امْرَأً مِنْ
الْأَنْصَارِ، وَلَوْ سَلَكَ النَّاسُ وَادِيًا وَشِعْبًا لَسَلَكْتُ وَادِيَ
الْأَنْصَارِ وَشِعْبَهَا، الْأَنْصَارُ شِعَارٌ وَالنَّاسُ دِثَارٌ، إِنَّكُمْ
سَتَلْقَوْنَ بَعْدِي أُثْرَةً فَاصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي عَلَى الْحَوْضِ"
[رواه البخاري: 4075]. ، قال المناوي: "وأما المن من المصطفى على الأنصار في
قصة الحديبية فليس من ذلك" أي فليس من المن المذموم "فإنَّه منَّ
بالهداية إلى الإسلام فهو راجع إلى الله، والمصطفى مبلِّغٌ وواسطةٌ بدليل قوله لهم
في المنة: "ألم تكونوا
ضلالا فهداكم الله بي؟".
ومن ذلك أيضاً مخاطبة عثمان بن عفان t لأولئك الذين حاصروه في داره وأرادوا النيل منه، حيث يقول ثمامة بن حزن
القشيري: شهدت الدار حين أشرف عليهم عثمان فقال ائتوني بصاحبيكم اللذين ألَّباكم
عليَّ، قال فجيء بهما فكأنهما جملان أو كأنهما حماران، قال: فأشرف عليهم عثمان،
فقال: أنشدكم بالله والإسلام هل تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم
المدينة وليس بها ماء يستعذب غير بئر رومة، فقال: "من يشتري بئر رومة فيجعل دلوه مع دلاء المسلمين
بخير له منها في الجنة" فاشتريتها من صلب مالي، فأنتم اليوم تمنعوني
أن أشرب حتى أشرب من ماء البحر؟ قالوا: اللهم نعم، قال: أنشدكم بالله والإسلام هل
تعلمون أن المسجد ضاق بأهله، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من يشتري بقعة آل فلان
فيزيدها في المسجد بخير منها في الجنة" فاشتريتها من صلب مالي، فأنتم
اليوم تمنعوني أن أصلي فيها ركعتين؟ قالوا: اللهم نعم، قال: أنشدكم بالله والإسلام
هل تعلمون أني جهزت جيش العسرة من مالي؟ قالوا: اللهم نعم، ثم قال: أنشدكم بالله
والإسلام هل تعلمون أن رسول الله r كان على ثبير مكة ومعه أبو بكر
وعمر وأنا، فتحرك الجبل حتى تساقطت حجارته بالحضيض قال فركضه برجله وقال: "اسكن ثبير فإنما عليك نبي
وصديق وشهيدان؟" قالوا: اللهم نعم، قال: الله أكبر، شهدوا لي ورب
الكعبة أني شهيد ثلاثاً" [أخرجه الترمذي: 3703، وقال: هذا حديث حسن].
© حقوق النشر محفوظة آيات للبحوث والدراسات @ 2026.