مجالات
العفو2-2
الخطبة
الأولى:
إن
الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات
أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا
الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا
اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ([آل عمران: 102]، {يَا
أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ
وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كثيرًا وَنِسَاءً
وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ
عَلَيْكُمْ رَقِيبًا}[النساء: 1]، {يَا أَيُّهَا
الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ
أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ
فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا}[الأحزاب: 70-71].
أما
بعد:
فاتقوا
الله -عباد الله- حق التقوى، فإنه من يتقى الله وقاه من كل ما أهمه: )وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا
* وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ([الطلاق: 2- 3]، )وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ
أَمْرِهِ يُسْرًا([الطلاق: 4].
أيها
المسلمون:
سبق
أن تحدثنا في الخطبة الماضية عن بعض مجالات العفو، وفي هذه الخطبة نستكمل ذلك،
فنقول: وبالله وحد نستعين وعليه نعتمد: إننا كما نحتاج العفو مع خصومنا وأعدائنا نحتاجه
كذلك مع أرحامنا وأقاربنا،
ولذلك جاء القرآن بالحث على ذلك، والترغيب فيه، قال تعالى: )وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا
تُحِبـُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ( [النور: 22]، قال ابن كثير عند تفسيره لهذه الآية: "وهذا في غاية الترفق والعطف على صلة
الأرحام، ولهذا قال تعالى: )وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا( أي عما تقدم منهم من الإساءة والأذى؟ وهذا من حلمه تعالى وكرمه ولطفه بخلقه مع ظلمهم لأنفسهم، وهذه الآية نزلت في
الصديق رضي الله عنه حين حلف أن لا ينفع مسطح بن أثاثة بنافعة بعد ما قال في عائشة
ما قال... فلما أنزل الله براءة أم المؤمنين عائشة، وطابت النفوس المؤمنة واستقرت،
وتاب الله على من كان تكلم من المؤمنين في ذلك، وأقيم الحد على من أقيم عليه؛ شرع
تبارك وتعالى وله الفضل والمنة، يعطف الصديق على قريبه ونسيبه وهو مسطح بن أثاثة،
فإنه كان ابن خالة الصديق، وكان مسكينا لا مال له إلا ما ينفق عليه أبو بكر t، وكان من المهاجرين في سبيل
الله، وقد زلق زلقة تاب الله عليه منها وضرب الحد عليها، وكان الصديق t معروفاً بالمعروف، له
الفضل والأيادي على الأقارب والأجانب، فلما نزلت هذه الآية: )أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ( فإن الجزاء من جنس العمل، فكما تغفر عن
المذنب إليك نغفر لك، وكما تصفح نصفح عنك، فعند ذلك قال الصديق: بلى والله إنا نحب
يا ربنا أن تغفر لنا، ثم رجع إلى مسطح ما كان يصله من النفقة، وقال: والله لا
أنزعها منه أبدا، في مقابلة ما كان، قال: والله لا أنفعه بنافعة أبدا[1].
وكذلك العفو -يا عباد
الله- يحتاجه المسلم في حاته الزوجية، يحتاجه الزوج مع وزجته، والزوجة مع زوجها،
فحتى تستقيم حياتهما لابد أن يكون العفو شعارهما، والتغاضي مطيتهما، والعفو عن بعض
الحقوق، والتغاضي عن بعض الزلات، بل العفو لابد ان يكون بين الزوجين في حال انقطاع
حياتهما الزوجة بالطلاق أو الفراق أو الخلع، أو الموت، ولذلك قال تعالى: )وَلاَ تَنسَوُاْ الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ(
[البقرة: 237].
وكذلك يحتاجه الرجل مع أولاده وزوجته أو زوجاته، قال تعالى:
)وَإِن تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا
فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيم([التغابن: 14] ففي هذه الآية حث الله تبارك وتعالى أولياء الأمور من الآباء والأزواج
على العفو عن الضعفاء من زوجات وأولاد وخدم، وترك معاقبتهم؛ قال النسَفِي: )وَإِن تَعْفُوا( عنهما -أي الزوجات والأولاد- إذا اطلعتم منهم
على عداوة، ولم تقابلوهم بمثلها"[2].
وقيد ذلك الْأَلُوسِيُّ بالذنوب القابلة للعفو، فقال عند
تفسيره لهذه الآية: ")وَإِن تَعْفُوا( عن ذنوبهم القابلة للعفو بأن تكون متعلقة بأمور الدنيا،
أو بأمور الدين لكن مقارنه للتوبة بأن لم تعاقبوهم عليها"[3].
فينبغي للرجل أن يعفو عنهم، ولا ينبغي له أن
يحقد على زوجه وولده إذا جنوا معه جناية، وأن لا يدعو عليهم[4].
ويحتاج العفو الأبناء مع آبائهما، والمعلم
مع معلمه، وهكذا.. فإنه لا غنى في هذه الحياة عن العفو لا حد من الناس.
ويحتاج العفو كذلك الغني مع الفقير، والقريب مع قريبه؛ لقوله تعالى: )وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا( [النــور: 22] فقد نزلت في حث أبي بكر الصديق t
في مواصلة نفقته على مسطح بعد أن منعها عنه بسبب ولوغه في عرض
ابنته الصديقة بنت الصديق كما سبق أن ذكرنا ذلك، قال ابن سعدي عند تفسيره لهذه الآية:
"وفي هذه الآية دليل على النفقة على القريب، وأنه لا تترك النفقة والإحسان
بمعصية الإنسان، والحث على العفو والصفح، ولو جرى عليه ما جرى من أهل الجرائم"[5].
والعفو
يحتاجه المسلم مع عماله وخدمه،
ومنهم تحت يده، فقد جاء عن بعض السلف: )وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ( [آل عمران:134] قال أبو العالية: يريد المماليك.
قال القاضي أبو محمد:
وهذا حسن على جهة المثال، إذ هم الخدمة، فهم مذنبون كثيرا، والقدرة عليهم متيسرة،
وإنفاذ العقوبة سهل، فلذلك مثل هذا المفسر به[6].
وجاء في الحديث أن رجلا
قال للنبي r: يا رسول الله كم نعفو عن الخادم؟ فصمَت، ثم أعادَ عليه الكلام
فصمَت، فلمّا كان في الثالثة قال: "اعفوا عنه في
كلِّ يومٍ سبعين مرة" [رواه أبو داود، والترمذي، وأحمد وسنده حسن].
وبالجملة -يا عباد الله-
فإن العفو خلق نبيل ينبغي أن يسود بين الناس جميعاً، وفي الحياة كلها، وإلا لتكدرت
الحياة، ولنغصت المعيشة، ولأصبحت جحيماً لا يطاق!
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعني
وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم.
الخطبة الثانية:
الحمد
الله، والصلاة والسلام على رسول الله.
أما
بعد:
أيها
الناس:
والعفو
مندوب إليه ومرغب فيه حتى في العقوبات المختصة بالأبدان والأموال؛ كعفو أولياء
الدم عن عقوبة القصاص مقابل الدية، أو عنهما معا، لما في العفو عن ذلك من المصالح
العظيمة التي تعود على الفرد والمجتمع في الدنيا والآخرة.
وأما العفو في العقوبات
المتعلقة بالأعراض فلا يجوز، كعقوبة الزنا، أو عقوبة القذف؛ فلا يعفى عنها بحال من
الأحوال؛ بل يجب أن تقام مثل هذه العقوبات حتى يرتدع الناس؛ لقوله تعالى: )الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ
وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ
اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ
عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ( [النــور: 2]
فهذه الآية بينت حكم الزاني والزانية البكرين، أنهما يجلد كل منهما مائة جلدة،
وأما الثيب، فقد دلت السنة الصحيحة المشهورة، أن حده الرجم، ونهانا تعالى أن
تأخذنا رأفة بهما في دين الله، تمنعنا من إقامة الحد عليهم، سواء رأفة طبيعية، أو
لأجل قرابة أو صداقة أو غير ذلك، وأن الإيمان موجب لانتفاء هذه الرأفة المانعة من
إقامة أمر الله، فرحمته حقيقة، بإقامة حد الله عليه، فنحن وإن رحمناه لجريان القدر
عليه، فلا نرحمه من هذا الجانب، وأمر تعالى أن يحضر عذاب الزانيين طائفة، أي:
جماعة من المؤمنين، ليشتهر ويحصل بذلك الخزي والارتداع، وليشاهدوا الحد فعلا، فإن
مشاهدة أحكام الشرع بالفعل، مما يقوى بها العلم، ويستقر به الفهم، ويكون أقرب
لإصابة الصواب، فلا يزاد فيه ولا ينقص[7].
فهذه العقوبات لا يُعفى
عنها بحال من الأحوال، بل يجب أن تقام؛ لأنه لا فائدة من العفو عنها، بل في العفو
عنها، والتساهل في إقامتها مفاسد عظيمة، وعواقب وخيمة على الفرد والمجتمع في
الدنيا والآخرة.
وأيضا لا يُعفى عن
العقوبات المتعلقة بحق من حقوق الله تعالى؛ أو حق من حقوق رسوله r؛ كعقوبة حد الردة، وما أشبه ذلك، فليس لأحد من البشر كائناً من
كان أن يعفو عنها؛ بل يجب على أولياء الأمور أن يقوموا بتنفيذ هذه العقوبات؛ لأن
الله U
قد استخلفهم في الأرض ليقوموا بذلك حق القيام؛ وعليهم أن يحذروا
من التهاون في ذلك.
والعفو ليس محمودا على إطلاقه؛ بل مقيد بما إذا كان ثمة
مصلحة من ورائه؛ قال تعالى: )فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ
فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاء إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ([البقرة: 178]، وقال تعالى: )فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى
اللَّهِ( [الشورى: 40] قال ابن سعدي: "وشرط الله في العفو الإصلاح فيه،
ليدل ذلك على أنه إذا كان الجاني لا يليق العفو عنه، وكانت المصلحة الشرعية تقتضي
عقوبته، فإنه في هذه الحال لا يكون مأموراً به"[8].
وقال ابن
عثيمين مؤكدا
على ذلك:
"العفو المندوب
إليه ما كان فيه إصلاح؛ لقوله تعالى: )فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى
اللَّهِ( [الشورى: 40]؛ فإذا كان في العفو إصلاح، مثل
أن يكون القاتل معروفاً بالصلاح؛ ولكن بدرت منه هذه البادرة النادرة؛ ونعلم، أو
يغلب على ظننا أنا إذا عفونا عنه استقام، وصلحت حاله، فالعفو أفضل لا سيما إن كان
له ذرية ضعفاء، ونحو ذلك؛ وإذا علمنا أن القاتل معروف بالشر، والفساد، وإن عفونا
عنه لا يزيده إلا فساداً، وإفساداً فترك العفو عنه أولى؛ بل قد يجب ترك العفو عنه"[9].
فلو كان الذي أساء إليك
شخصاً معروفاً بالشر والفساد، وأنك لو عفوت عنه لكان في ذلك زيادة في شره، ففي هذه
الحال الأفضل أن لا تعفو عنه، بل تأخذ بحقك من أجل الإصلاح، أما إذا كان الشخص إذا
عفوت عنه لم يترتب على العفو عنه مفسدة؛ فإن العفو أفضل؛ لأن الله يقول: )فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى
اللَّه( [الشورى: 40]، وإذا كان أجرك على الله لكان خيراً لك من أن يكون
ذلك بمعارضة تأخذ من أعمال صاحبك الصالحة.
وقيده الماوردي بالتائب
دون المصر؛ فقال: "أصلح بينه وبين أخيه... وهذا مندوب إليه في العفو عن
التائب دون المصرّ[10].
وأيضا
العفو الممدوح -يا عباد الله- هو العفو عند المقدرة؛ كما يقول إبراهيم النخعي:
"كانوا يكرَهون أن يُستَذَلّوا، فإذا قدروا عفَوا"[11].
هذا وصلوا وسلموا على من
أمرتم بالصلاة والسلام في قول ربكم الكريم: )إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ
عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا
تَسْلِيمًا([الأحزاب: 56].
اللهم صل وسلم على
محمد....
ربنا آتنا في الدنيا
حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
[1] تفسير
القرآن العظيم، ابن كثير (6/29).
[2] مدارك
التنزيل (3 /493).
[3] روح
المعاني، (14/ 321).
[4] انظر: روح
المعاني، الألوسي(14/ 321).
[5] تيسير الكريم الرحمن في تفسير
كلام المنان، ابن سعدي (565).
[6] المحرر الوجيز في
تفسير الكتاب العزيز، ابن عطية (1/510).
[7] تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، ابن سعدي(234).
[8] تيسير
الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان، ابن سعدي، ص(761).
[9] تفسير
العثيمين: الفاتحة والبقرة، (2/ 301-302).
[10] النكت والعيون،
الماوردي (5/ 207).
[11] صحيح
البخاري(3/129).
© حقوق النشر محفوظة آيات للبحوث والدراسات @ 2026.