خطب الجمعة

  • الأحد 14 فبراير 2021

¬مجالات العفو 1- 2

­مجالات العفو 1- 2

 

الخطبة الأولى:

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ([آل عمران: 102]، )يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كثيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا([النساء: 1]، )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا([الأحزاب: 70-71].

أما بعد:

فاتقوا الله -عباد الله- حق التقوى، فإنه من يتقى الله وقاه من كل ما أهمه: )وَمَنْ يَتَّقِ اللهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ([الطلاق: 2- 3]، )وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا([الطلاق: 4].

أيها المسلمون:

إنه لا غنى لنا في هذه الحياة عن العفو، ذلك أن الإنسان إما مخطئ، وإما مخطئ عليه، فإن أخطأ هو فهو بحاجة إلى أن يعفون عنه، وإن أخطأ عليه غيره فينبغي عليهم أن يبادوا في طلب العفو منه، وطلب المسامحة منه، وعليه فإن العفو يحتاجه المسلم في حياته كلها، ومع الناس كافة؛ لذلك أرشد الله محمدا r بمعاملة الناس بالعفو، فقال تعالى مخاطبا إياه: )خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ( [الأعراف: 199]، قال عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ: "أُمِرَ نَبِي اللَّهِ r أَنْ يَأْخُذَ الْعَفْوَ مِنْ أَخْلاَقِ النَّاسِ"[1].

قال الطاهر بن عاشور عند تفسره لهذه الآية: "أمر الرسول r بأن يعفو ويصفح، وذلك بعدم المؤاخذة بجفائهم وسوء خلقهم، فلا يعاقبهم ولا يقابلهم بمثل صنيعهم"[2].

والمراد بذلك -يا عباد الله- أن يأخذ r ما سمحت به أنفسهم، وما سهل عليهم من الأعمال والأخلاق، فلا يكلفهم ما لا تسمح به طبائعهم، بل يشكر من كل أحد ما قابله به، من قول وفعل جميل أو ما هو دون ذلك، ويتجاوز عن تقصيرهم ويغض طرفه عن نقصهم، ولا يتكبر على الصغير لصغره، ولا ناقص العقل لنقصه، ولا الفقير لفقره، بل يعامل الجميع باللطف والمقابلة بما تقتضيه الحال، وتنشرح له صدورهم[3].

وكل ذلك في المعاملات الشخصية، لا في العقيدة الدينية، ولا في الواجبات الشرعية، ولا في المحرمات القطعية.

والعفو هنا وإن كان موجها بالمقام الأول للنبي r إلا أن امته مأمورة بذلك تبعا له، فإن كل أمر أمر الله به رسوله r فإن أمته داخلة في ذلك إلا ما خصه الدليل.

والعفو -يا عباد الله- يحتاجه المسلم مع الناس مع أعدائه وخصومه، قال الله تعالى آمرا نبيه r بالعفو عن أعدائه من اليهود: )فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ( [المائدة: 13] فقد أمر الله عز ذكره نبيَّه محمدًا r بالعفو عن هؤلاء القوم الذين همُّوا أن يبسطوا أيديهم إليه من اليهود، يقول الله جل وعز له: اعف يا محمد عن هؤلاء اليهود الذين همُّوا بما هموا به من بسط أيديهم إليك، وإلى أصحابك بالقتل، واصفح لهم عن جُرْمهم بترك التعرُّض لمكروههم، فإني أحب من أحسنَ العفو والصَّفح إلى من أساء إليه[4].

وقد حث الله نبيه r على العفو عنهم (والحالة هذه)؛ لأن في ذلك مصالح عظيمة؛ قال ابن كثير: "وهذا هو عين النصر والظفر؛ كما قال بعض السلف: ما عاملت من عصى الله فيك بمثل أن تطيع الله فيه، وبهذا يحصل لهم تأليف وجمع على الحق، ولعل الله أن يهديهم، ولهذا قال تعالى: )إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ( يعني به الصفح عمن أساء إليك"[5].

والعفو عنهم أيضا من باب الإحسان إليهم، حتى يهيج فيهم غريزة العرفان بالجميل، فيستل ذلك الإحسان الحقد من قلوبهم، ويفتحون آذانهم وقلوبهم لكلمة الحق: )فَإِذَا الذي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ([فصلت: 34]؛ لأن العداوة لا تشتد إلا إذا وُجد مُؤجج لها من عداوة في المقابل. فعندما تعامل عدوك بالحسنى ولا ترد على عدائه بالعدوان فكم من الزمن يصير عدواً لك؟ إنه اعتدى مرة وسَكّتَّ أنت عليه، واعتدى ثانية وسكت أنت عليه، لا بد أنه يهدِّئ من نفسه[6].

وأيضا أمر الله تبارك وتعالى نبيه بالعفو عن ذوي الإساءات من أهل الكتاب، فقال تعالى: )فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ([البقرة: 109] قال ابن جرير: ")فاعْفُوا( فتجاوزوا عما كان منهم من إساءة وخطأ في رأي أشاروا به عليكم في دينكم، إرادة صدكم عنه، ومحاولة ارتدادكم بعد إيمانكم، وعما سلف منهم من قيلهم لنبيكم r: )وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ( [النساء: 46]، واصفحوا عما كان منهم من جهل في ذلك حتى يأتي الله بأمره، فيحدث لكم من أمره فيكم ما يشاء، ويقضي فيهم ما يريد"[7].

قال محمد رشيد رضا: "أمر الله تعالى المؤمنين بأن يقابلوا هذا الحسد وما ينبعث عنه بما يليق بهم من محاسن الأخلاق، فقال: )فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا(، ولم يقل: فاعفوا واصفحوا عنهم لإرادة العموم، أي عاملوا جميع الناس بالصفح والعفو، فإن هذا هو اللائق بشأن المؤمنين المتقين: )الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا( [الفرقان: 63].

وفي أمره تعالى لهم بالعفو والصفح إشارة إلى أن المؤمنين على قلتهم هم أصحاب القدرة والشوكة؛ لأن الصفح إنما يطلب من القادر على خلافه، كأنه يقول: لا يغرنكم أيها المؤمنون كثرة أهل الكتاب مع باطلهم فإنكم على قلتكم أقوى منهم بما أنتم عليه من الحق، فعاملوهم معاملة القوي العادل للقوي الجاهل... وفي إنزال المؤمنين على ضعفهم منزل الأقوياء، ووضع أهل الكتاب على كثرتهم موضع الضعفاء، إيذان بأن أهل الحق هم المؤيدون بالعناية الإلهية، وأن العزة لهم ما ثبتوا على حقهم، ومهما يتصارع الحق والباطل، فإن الحق هو الذي يصرع الباطل .. وإنما بقاء الباطل في غفلة الحق عنه"[8].

بارك الله لي ولكم بالقرآن العظيم، ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم.

الخطبة الثانية:

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه.

أما بعد:

أيها الناس:

والعفو يحتاجه المسلم كذلك مع أصحابه وجلسائه ومحبيه، ولذلك جاء في القرآن أمر الله لنبيه r بالعفو عن أصحابه الرماة الذين أمرهم بملازمة الجبل، وعدم التزول منه مهما كان الأمر، إلا إنهم نزلوا بعدما انتهت المعركة، وتحقق النصر لهم، والهزيمة لهم لعدوهم، فلما حصلت المخالفة للأمر تحول النصر إلى هزيمة، وحصل للرسول r ومن معه من الصحابة من الأذى ما حصل، ومع ذلك قال الله تعالى مخاطبا نبيه r بالعفو عنهم: )فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْر( [آل عمران: 159]، وذلك بأن يعفو عنهم ما كان منهم يوم أحد مما يختص به، وأمره أَن يعْفُو عَنْهُم مَا لم يلْزمهُم من حكم، أَو حد، قال ابن جرير: "يعني تعالى ذكره بقوله: )فَاعْفُ عَنْهُمْ( فتجاوز يا محمد عن تُبَّاعك وأصحابك من المؤمنين بك وبما جئت به من عندي، ما نالك من أذاهم ومكروهٍ في نفسك"[9].

وقد أخبر تبارك وتعالى بأنه قد عفا عن الصحابة الذين خالفوا أمر رسوله صلى الله عليه وسلم بملازمة الجبل، وتحذيرهم من النزول منه مهما كانت الظروف والأحوال؛ فقال تعالى: )وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ( [آل عمران: 152]، قال ابن جرير: ")وَلَقَدْ عَفَا عَنكُمْ( أيها المخالفون أمر رسول الله r، والتاركون طاعته فيما تقدم به إليكم من لزوم الموضع الذي أمركم بلزومه عنكم، فصفح لكم من عقوبة ذنبكم الذي أتيتموه، عما هو أعظم مما عاقبكم به من هزيمة أعدائكم إياكم، وصرفِ وجوهكم عنهم، إذ لم يستأصل جمعكم"[10].

وقد غفر الله لهم ذلك لكثرة عدد العدو وعددهم، وقلة عدد المسلمين وعددهم[11].

وأيضا غفر لهم لعلمه بتوبتهم وندمهم؛ كما قال النسَفِي: ")وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ( حيث ندمتم على ما فرط منكم من عصيان رسول الله r: )والله ذُو فَضْلٍ عَلَى المؤمنين( بالعفو عنهم وقبول توبتهم أو هو متفضل عليهم في جميع الأحوال سواء أديل لهم أو أديل عليهم؛ لأن الابتلاء رحمة كما أن النصرة رحمة"[12].

وقد يقال: أنه عفا الله عنهم؛ لأن مخالفتهم تلك لم تكن عن نية سيئة، أو إصرار؛ بل كان عن اجتهاد منهم.

هذا وصلوا وسلموا على من أمرتم بالصلاة والسلام عليه، حيث قال عز من قائل: )إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا( [الأحزاب: 56].

اللهم صل وسلم على محمد...

ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.



[1] أخرجه البخاري (4644).

[2] التحرير والتنوير (9/226- 227).

[3] انظر: تيسير الكريم الرحمن، ص(313).

[4] انظر: جامع البيان (10/ 134).

[5] تفسير القرآن العظيم (3/ 60).

[6] انظر: تفسير الشعراوي، (الخواطر)(5/ 3013).

[7] جامع البيان (2/ 503).

[8] تفسير المنار، محمد رشيد رضا (1/ 347- 348)

[9] جامع البيان(7/ 343).

[10] جامع البيان(7/ 298).

[11] ينظر: تفسير القرآن العظيم(2/ 116).

[12] مدارك التنزيل، النسفي (1/301) وينظر: أنوار التنزيل، البيضاوي(2/43).

© حقوق النشر محفوظة  آيات للبحوث والدراسات @ 2026.